في مساء 23 مارس 1989، غادرت الناقلة النفطية العملاقة إكسون فالديز (Exxon Valdez) ميناء فالديز البحري في ألاسكا، محملةً بحوالي 53 مليون غالون من النفط الخام، متجهة إلى لونغ بيتش، كاليفورنيا. كانت الناقلة تابعة لشركة إكسون للنقل البحري، وهي فرع من شركة النفط العملاقة إكسون.
كان يقود السفينة آنذاك القبطان جوزيف هازلوود (Joseph Hazelwood)، المعروف بخبرته الطويلة في الملاحة البحرية، لكنه أيضًا كان مثيرًا للجدل بسبب مشكلات سابقة تتعلق بالكحول.
في الساعات الأولى من 24 مارس 1989، حاولت السفينة تغيير مسارها لتجنب الجبال الجليدية المنتشرة في مضيق برنس ويليام ساوند (Prince William Sound)، وهو واحد من أجمل وأغنى المناطق البيئية في ألاسكا. ولكن هذه المناورة قادتها إلى منطقة خطرة للغاية. وفي تمام الساعة 12:04 بعد منتصف الليل، اصطدمت الناقلة بالصخور تحت سطح الماء في منطقة تعرف باسم شعاب بليغ (Bligh Reef)، مما أدى إلى تمزق هيكلها السفلي.
الاصطدام تسبب في فتح ثماني خزانات من أصل أحد عشر، ليندفع النفط الخام إلى البحر بسرعة هائلة.
بحر من النفط

انسكب ما يقارب 10.8 ملايين غالون من النفط الخام في مياه ألاسكا، وهو ما جعل الحادث آنذاك أكبر تسرب نفطي في تاريخ الولايات المتحدة. انتشر النفط بسرعة عبر الرياح والتيارات البحرية، ملوثًا مساحة هائلة من المياه والسواحل.
امتد التلوث على طول 1300 ميل (حوالي 2100 كيلومتر) من الساحل، وغمر أكثر من 11,000 ميل مربع (28,000 كيلومتر مربع) من البحر. تحولت المياه البكر إلى بقع سوداء خانقة، غطت الصخور والشواطئ وأجساد الحيوانات البحرية.
كانت الظروف الجوية القاسية والموقع النائي للمنطقة من أبرز العوائق أمام عمليات الإنقاذ والتنظيف. ومع مرور الساعات، أصبح واضحًا أن السيطرة على التسرب ستكون شبه مستحيلة.
الآثار البيئية الفورية

كانت النتائج البيئية مدمرة بكل المقاييس. تحولت منطقة برنس ويليام ساوند من جنة طبيعية تزخر بالحياة إلى مقبرة بحرية صامتة.
قدّر العلماء أن أكثر من 250,000 طائر بحري، و2,800 قندس بحري، و300 فقمة، و250 نسر أصلع قد نفقت خلال الأسابيع الأولى بعد التسرب، إضافةً إلى آلاف الأسماك واللافقاريات. كان النفط يغطي ريش الطيور مانعًا عنها العزل الحراري، مما يؤدي إلى موتها من البرد أو الغرق. كما تسمم العديد من الثدييات البحرية بعد استنشاق أو ابتلاع النفط.
انهار أيضًا مخزون سمك الرنجة في المحيط الهادئ، وهو عنصر أساسي في النظام البيئي المحلي والاقتصاد التجاري، ولم يتعافَ حتى اليوم بشكل كامل. كما فقدت بعض مجموعات الحيتان القاتلة (الأوركا) العديد من أفرادها، وتوقف بعضها عن التكاثر منذ الحادث.
حتى اليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود، ما زالت كميات من النفط – تُقدر بحوالي 20,000 غالون – مدفونة في الرمال والرواسب البحرية، وتظل سامة للحياة البحرية.
الأثر الإنساني والاقتصادي

لم تقتصر الكارثة على البيئة فقط، بل أصابت الإنسان والاقتصاد بضربة قاسية. كانت المجتمعات الساحلية في ألاسكا تعتمد على الصيد والسياحة والبحر كمصدر رئيسي للرزق. ولكن بعد الحادث، انهار قطاع الصيد تمامًا، وتضررت سمعة المنطقة كمصدر للمنتجات البحرية النقية.
تكبد قطاع الصيد في ألاسكا خسائر تجاوزت مئات الملايين من الدولارات، وخسر آلاف الصيادين وظائفهم ومصدر رزقهم. كما عانى السكان الأصليون الذين يعيشون على الصيد التقليدي من تدهور ثقافتهم ونمط حياتهم.
أما من ناحية التكلفة الإجمالية، فقد أنفقت شركة إكسون أكثر من 2.1 مليار دولار على عمليات التنظيف المباشرة، إضافةً إلى 1 مليار دولار كتعويضات للحكومة الأمريكية وحكومة ولاية ألاسكا. ولكن التقديرات الإجمالية للخسائر البيئية والاقتصادية والقانونية تجاوزت 7 مليارات دولار.
عمليات التنظيف

بدأت عمليات التنظيف بعد ساعات من الحادث، لكنها واجهت صعوبات هائلة بسبب الظروف القاسية وبعد المنطقة عن المراكز المأهولة. شارك في العملية أكثر من 11,000 عامل، و1,400 سفينة، و85 طائرة.
تنوّعت أساليب التنظيف المستخدمة:
- الحواجز والمعدات الميكانيكية: استخدمت حواجز عائمة وأجهزة لجمع النفط من السطح، لكنها فشلت أمام الرياح القوية والأمواج.
- المواد الكيميائية المشتتة: استخدمت لتفكيك النفط إلى جزيئات أصغر، لكنها كانت سامة بدورها وغير فعالة في المياه الباردة.
- الحرق المراقب: جرى حرق كميات صغيرة من النفط على السطح، لكنه لم يكن ممكنًا في معظم الظروف الجوية.
- التنظيف اليدوي: استخدم العمال الماء الساخن والفرش لتنظيف الصخور والشواطئ، مما أدى أحيانًا إلى تدمير الكائنات الدقيقة التي تعيش هناك.
في النهاية، تم استرجاع أقل من 10% من النفط المنسكب. أما الباقي فقد تبخر أو غاص في الأعماق أو اندمج في الرواسب الساحلية.
المعركة القانونية والمسؤولية
أشعلت الكارثة موجة من الدعاوى القضائية ضد شركة إكسون. رفع آلاف الصيادين والمواطنين والمنظمات البيئية دعاوى تطالب بالتعويض والمحاسبة.
في عام 1994، قضت المحكمة بأن تدفع إكسون 5 مليارات دولار كتعويضات عقابية. لكن الشركة استأنفت الحكم عدة مرات، وفي عام 2008 خفّضت المحكمة العليا الأمريكية المبلغ إلى 507.5 مليون دولار فقط، مما أثار غضب المتضررين الذين انتظروا العدالة لأكثر من 19 عامًا.
أما القبطان جوزيف هازلوود، فقد وُجهت له تهم متعددة، منها الإهمال وقيادة السفينة تحت تأثير الكحول. تمت تبرئته من أغلب التهم الكبرى، لكنه أُدين بجريمة تفريغ النفط بالإهمال، وغُرِّم 50,000 دولار وأُجبر على أداء خدمة مجتمعية.
الإصلاحات القانونية: ولادة قوانين جديدة
رغم مأساوية الكارثة، إلا أنها كانت سببًا في تغييرات جذرية في القوانين البيئية الأمريكية. ففي عام 1990، أقرّ الكونغرس قانونًا تاريخيًا يُعرف باسم قانون التلوث النفطي (Oil Pollution Act of 1990).
من أبرز ما جاء في هذا القانون:
- إلزام جميع الناقلات الجديدة بتصميم هيكل مزدوج للوقاية من التسرب.
- تشديد المسؤولية المالية على الشركات المتسببة في التسربات النفطية.
- إنشاء صندوق وطني للتعامل مع حوادث التسرب النفطي ممول من ضرائب على النفط.
- تعزيز خطط الطوارئ والتدريب للعاملين في قطاع النقل البحري.
ساهم هذا القانون في رفع مستوى الاستعداد والاستجابة للكوارث النفطية في الولايات المتحدة والعالم بأسره.
اقرا ايضا أبولو 1: الحريق الذي خلّد أسماء ثلاثة من أبطال ناسا
















