فيلم His House(2020) هو فيلم رعب مثير يتجاوز رواية البيت المسكون التقليدية، حيث ينسج قصة عاطفية واجتماعية عميقة عن تجربة اللاجئين، وذنب الناجي، والصراع لإيجاد شعور بالانتماء في أرض جديدة. الفيلم من إخراج ريمي ويكس في أول إخراج له لفيلم طويل، ومستند إلى قصة من تأليف فيليسيتي إيفانز وتوبي فينابلز، ويشارك في بطولته وونمي موساكو وسوبي ديريسو في دور ريال وبول ماجور، زوجان من جنوب السودان يسعيان للحصول على اللجوء في المملكة المتحدة. صدر الفيلم على نتفليكس في 30 أكتوبر 2020، بعد عرضه العالمي الأول في مهرجان صندانس السينمائي، وحاز على إشادة نقدية واسعة بسبب نهجه المبتكر في الرعب، حيث يمزج بين الرعب الخارق للطبيعة والرعب الواقعي للنزوح، والحزن، والاغتراب الثقافي.
رحلة شاقة من جنوب السودان إلى المملكة المتحدة

تبدأ قصة فيلم His House بتصوير مؤثر ومؤلم لهرب ريال وبول من جنوب السودان الممزق بالحرب. يفتتح الفيلم بمشهد مؤلم يُظهر الزوجين، مع ابنتهما الصغيرة نياغاك، وهما يفرون من العنف والفوضى في وطنهما. يتحملان رحلة محفوفة بالمخاطر عبر القناة الإنجليزية في قارب آلي مزدحم ومتهالك، وهو مشهد يبرز اليأس والخطر الذي يواجهه اللاجئون الباحثون عن الأمان. للأسف، لا تنجو نياغاك وكثيرون آخرون من العبور، وهي خسارة تطارد ريال وبول طوال الفيلم. هذه الافتتاحية تضع نبرة القصة، حيث تربط الرعب الخارق بالصدمة الواقعية لماضيهما. حزن الزوجين على وفاة ابنتهما وذنب البقاء على قيد الحياة بينما لم ينجُ الكثيرون يصبحان الجوهر العاطفي للرواية، مما يجعل قصتهما تبدو شخصية وعالمية في آن واحد.

بعد أشهر في مركز احتجاز، يُمنح ريال وبول لجوءًا مؤقتًا في المملكة المتحدة ويُخصص لهما منزل متهالك في ضواحي لندن. المنزل بعيد عن كونه مكانًا مرحبًا، مع ورق جدران متقشر، وأضواء متذبذبة، وجو عام من الإهمال، يعكس الوضع الهش للزوجين. يُعطيان قواعد صارمة من قبل موظف الرعاية الاجتماعية، مارك (يؤديه مات سميث)، تشمل قيودًا على العمل ومغادرة العقار، تحت تهديد الترحيل. يستخدم الفيلم هذا الإطار لاستكشاف البيروقراطية المُجردة من الإنسانية في عملية اللجوء، حيث يُتوقع من ريال وبول أن يكونا ممتنين لمنزل متهدم بينما يتنقلان في مجتمع ينظر إليهما غالبًا بشك أو عداء. يصبح المنزل نفسه شخصية في القصة، تجسيدًا ماديًا لعزلتهما والقوى غير المرئية—سواء كانت خارقة أو اجتماعية—التي تهدد بتفكيك بدايتهما الجديدة الهشة.
فيلم His House بداية الرعب النفسي

مع محاولة ريال وبول الاستقرار في منزلهما الجديد، تبدأ أحداث غريبة في تعطيل حياتهما. تصدر الجدران أصواتًا مقلقة، تظهر أشكال ظلية وتختفي، ويختبر بول هلوسات حية تمحو الخط بين الواقع والكابوس. هذه العناصر الخارقة ليست مجرد مفاجآت مخيفة بل مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بصدمة الزوجين. ريال، التي تكون أكثر انسجامًا مع المعتقدات الروحية لوطنها، تتعرف على الوجود كـ”أبيث”، وهي ساحرة ليلية من الفلكلور السوداني الجنوبي. تروي قصة من قريتها عن رجل سرق من أبيث وطاردته في منزله، مشيرة إلى أن الكيان في منزلهما هو تجسيد لدين يدينان به—دين مرتبط ببقائهما والخيارات التي اتخذاها للهروب من السودان.

الرعب في فيلم His House هو مزيج من الرعب الحسي والنفسي، حيث يمزج المخرج ريمي ويكس بمهارة بين أساليب البيت المسكون التقليدية وصور كابوسية سريالية. على سبيل المثال، في مشهد لا يُنسى، يجلس بول على مائدة العشاء مع ريال، لتتراجع الكاميرا وتكشف أنه وحده، وجدار المطبخ ينهار ليكشف عن سماء برتقالية دموية وأشكال شبيهة بالزومبي في المسافة. هذه اللحظات ليست مخيفة فقط بل مربكة، تعكس الحالة الذهنية الممزقة للزوجين والطريقة التي يستمر بها ماضيهما في التدخل في حاضرهما. الأبيث، بمظهرها المروع ومطاردتها الدؤوبة، تجسد الذنب والعار اللذين يحملهما ريال وبول، خاصة بول، الذي يحاول الاندماج في الثقافة البريطانية مع كبت حزنه وهويته الثقافية.
موضوعات فيلم His House

في جوهره، فيلم His House هو قصة عن ثقل الصدمة والصراع للتوفيق بين الماضي والحاضر. يستكشف الفيلم ذنب الناجي من خلال نهج ريال وبول المختلف تجاه حياتهما الجديدة. يحاول بول بشدة أن “ينسجم”، متبنيًا الملابس الغربية، وتناول الطعام على طاولة بأدوات، وحتى ترديد أناشيد كرة القدم في حانة محلية في محاولة للاندماج في المجتمع البريطاني. تُقابل جهوده بنتائج متباينة، حيث يواجه عنصرية خفية وصريحة، مثل السخرية منه من قبل المراهقين المحليين أو تجاهله من قبل المسؤولين البيروقراطيين. من ناحية أخرى، تتمسك ريال بهويتها السودانية الجنوبية، مرتدية ملابس نابضة بالحياة ومحافظة على الممارسات التقليدية، مثل تناول الطعام على الأرض. رفضها الاندماج الكامل يعكس اعتقادها بأنهما لا يستطيعان الهروب من ماضيهما، وهو اعتقاد يعززه وجود الأبيث.
يستعرض فيلم His House أيضًا تجربة المهاجرين، مؤكدًا على الاغتراب والعداء الذي يواجهه اللاجئون في بلد جديد. لقاء ريال مع مجموعة من المراهقين البريطانيين السود الذين يسخرون منها ويطالبونها بـ”العودة إلى إفريقيا” يبرز تعقيد الهوية، حيث يرفضها حتى أولئك الذين يشاركونها خلفيتها العرقية. المنزل، بجدرانه المتداعية وجوّه القمعي، يعكس البيئة غير المرحبة لوطنهما الجديد، حيث يُتوقع منهما أن يكونا ممتنين للفتات بينما يتنقلان في نظام مصمم لإبقائهما على الهامش. يستخدم ويكس هذه العناصر لنقد أسطورة المملكة المتحدة كملاذ مرحب للمهاجرين، موضحًا بدلاً من ذلك واقع الضواحي الرمادية ولامبالاة البيروقراطية، وهي نقطة أكدها في مقابلات حول إلهام الفيلم.

مطالبة الأبيث بدين يجب سداده تضيف طبقة من التعقيد الأخلاقي للقصة. مع تقدم الفيلم، يصبح واضحًا أن الدين لا يتعلق فقط ببقائهما بل بخيار محدد اتخذاه خلال هروبهما—خيار يتحدى تصور المشاهد لريال وبول كضحايا فقط. هذا الكشف، المُعروض في تطور مذهل في الفصل الثالث، يحول فيلم His House من قصة رعب تقليدية إلى تأمل عميق في الأخلاق، والتضحية، وتكلفة البقاء. التطور يتجنب الإثارة، وبدلاً من ذلك يعمق فهم الجمهور لذنب الزوجين ودور الأبيث كمعذب ومخلص محتمل.
الإنتاج والرؤية الإبداعية في فيلم His House

تم إنتاج فيلم His House من قبل شركة ستارشايلد بيكتشرز، مع إد كينغ ومارتن جنتلز كمنتجين، وتم تطويره من فكرة قصة لفيليسيتي إيفانز وتوبي فينابلز. بدأت الفكرة في عام 2015 عندما بدأت إيفانز في استكشاف طرق جديدة لإعادة ابتكار نوع البيت المسكون، الذي أصبح مكررًا مع الأنماط المتكررة. لاقت فكرة زوجين لاجئين يطاردهما ماضيهما صدى لدى المنتجين، الذين رأوا إمكانية في مزج التعليق الاجتماعي مع الرعب. تم اختيار ريمي ويكس، وهو مخرج بريطاني من أصول ملونة، لكتابة الفيلم وإخراجه، مستندًا إلى تجاربه الشخصية في النمو في لندن والتنقل في تعقيدات الهوية في مجتمع يُعَامل أحيانًا الأقليات كـ”آخرين”.
كانت رؤية ويكس لـ فيلم His House هي خلق فيلم رعب مؤثر عاطفيًا ومخيف بصدق. استلهم من أفلام كلاسيكية مثل اللمعان وطفل روزماري، خاصة في كيفية استخدام هذه الأفلام للرعب لاستكشاف الموضوعات النفسية والاجتماعية. الأسلوب البصري للفيلم، الذي صيغه مدير التصوير جو ويليمز، يستخدم التناقضات الحادة بين الضوء والظل لخلق جو قمعي، حيث غالبًا ما تكون مشاهد المنزل مغمورة في ظلام متذبذب وخانق. تم تصميم المشاهد السريالية، مثل رؤى بول للماء والجثث، بعناية لتمحو الخطوط بين الواقع والهلوسة، مما يعزز النبرة المقلقة للفيلم.

أداء وونمي موساكو وسوبي ديريسو هو محور نجاح الفيلم. تجلب موساكو قوة هادئة لريال، تصورها كضعيفة وحازمة في آن واحد، بينما يلتقط ديريسو يأس بول وتفككه النفسي بحدة خام. كيمياؤهما كزوجين تبدو أصيلة، تربط العناصر الخارقة بقصة إنسانية عميقة. دور مات سميث الداعم كموظف الرعاية مارك يضيف طبقة من اللامبالاة البيروقراطية، على الرغم من أن شخصيته تُظهر أيضًا لحظات من الدفء غير المتوقع، مما يعكس تصوير الفيلم الدقيق للتفاعلات البشرية.
الاستقبال النقدي والتأثير ل فيلم His House

عند صدوره، حظي فيلم His House بإشادة واسعة لروايته المبتكرة وعمقه العاطفي. أشاد النقاد بقدرة ويكس على موازنة الرعب مع التعليق الاجتماعي، حيث منح كيه أوستن كولينز من رولينغ ستون الفيلم 3.5/5 نجوم وأشار إلى “دمجه الغريب بين التجربة السياسية وإثارة البيت المسكون”. يحمل الفيلم تقييمًا معتمدًا بنسبة 100% على موقع روتن توماتوز مع أكثر من 100 مراجعة، وهو إنجاز نادر لفيلم رعب، وقد تم الإشادة به لنهجه الجديد في النوع. أبرز المراجعون قدرته على إخافة الجمهور مع معالجة قضايا العالم الحقيقي، حيث وصفته صحيفة الغارديان بأنه “بيان واثق وجذاب من مخرج واعد”.
يمتد تأثير فيلم His House إلى ما هو أبعد من نجاحه النقدي، حيث أثار نقاشات حول أزمة اللاجئين والتكلفة النفسية للنزوح. من خلال دمج الأساطير السودانية الجنوبية، جلب ويكس منظورًا ثقافيًا جديدًا لنوع الرعب، متحديًا هيمنة الروايات الغربية المركزية. الأبيث، بدوافعها المبهمة، تبرز ككيان فريد، ليس شريرًا بالكامل ولا خيرًا، مما يعكس الغموض الأخلاقي لأفعال الزوجين. احتضن الجمهور على منصات مثل ريديت الفيلم، حيث وصفه المستخدمون بأنه “غير مقدر بما فيه الكفاية” وأشادوا بمزجه بين التعليق الاجتماعي والرعب.

فيلم His House هو أكثر من مجرد فيلم رعب؛ إنه استكشاف مؤثر للصدمة، والهوية، والتكلفة البشرية للبقاء. من خلال روايته المرعبة، والأداء المتميز، والإخراج المبتكر، يعيد الفيلم تعريف نوع البيت المسكون، مستخدمًا الرعب الخارق لإلقاء الضوء على الرعب الحقيقي الذي يواجهه اللاجئون. أول فيلم طويل لريمي ويكس هو شهادة على قوة الرعب في سرد القصص الإنسانية، مقدمًا نظرة مخيفة ولكنها متعاطفة على صراعات أولئك المجبرين على إعادة بناء حياتهم في عالم غير مرحب. بينما يواجه بول وريال شياطينهما—حرفيًا ومجازيًا—يترك الفيلم الجمهور برسالة قوية حول مواجهة الماضي لإيجاد طريق للأمام، مما يجعل His House تجربة سينمائية مرعبة ولا تُنسى.


















