تُعدّ سرقة متحف إيزابيلا ستيوارت غاردنر في مدينة بوسطن الأمريكية عام 1990 واحدة من أكثر القضايا إثارة وغموضاً في عالم الجريمة والفن على الإطلاق. لم تكن مجرد عملية سطو عادية، بل كانت جريمة دقيقة التخطيط، نفذها مجهولون نجحوا في الاستيلاء على أعمال فنية لا تُقدّر بثمن، تقدر قيمتها اليوم بأكثر من 500 مليون دولار أمريكي. وعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود، ما زالت هذه الجريمة لغزاً محيّراً لم يُحلّ بعد، لتبقى وصمة غامضة في تاريخ الفنون والأمن الثقافي العالمي.
خلفية متحف إيزابيلا ستيوارت غاردنر

يقع متحف إيزابيلا ستيوارت غاردنر في قلب مدينة بوسطن، بولاية ماساتشوستس الأمريكية. أسسته السيدة الثرية وعاشقة الفن إيزابيلا ستيوارت غاردنر عام 1903، التي كانت من أبرز جامعي الأعمال الفنية في القرن التاسع عشر. كانت غاردنر امرأة ذات ذوق فني فريد، أنفقت ثروتها على اقتناء اللوحات والقطع النادرة من أوروبا وآسيا وأمريكا، وأرادت أن تُنشئ مكاناً لعرضها كي يستمتع بها الجمهور. المتحف صُمّم على الطراز الفينيسي الكلاسيكي، ويضم أكثر من 2500 قطعة فنية تشمل لوحات لرمبرانت، فيرمير، مانيه، ديغا، وتيتيان، بالإضافة إلى منحوتات، مخطوطات، ومجوهرات أثرية. وقد نصّت وصية السيدة غاردنر على أن يبقى ترتيب الأعمال في المتحف دون أي تغيير بعد وفاتها، مما جعل أي محاولة لاستبدال أو تحريك اللوحات أمراً مستحيلاً قانونياً — وهو ما زاد من تعقيد أي محاولة لاستعادة المسروقات لاحقاً.
ليلة السرقة: 18 مارس 1990

في الساعات الأولى من صباح يوم الأحد 18 مارس 1990، وبينما كانت مدينة بوسطن تحتفل بعيد القديس باتريك، استغلّ لصّان متنكران في زي رجال شرطة انشغال الجميع بالاحتفالات لينفّذا واحدة من أجرأ عمليات السرقة في التاريخ. عند الساعة 1:24 صباحاً، توقفت سيارة بيضاء صغيرة أمام بوابة المتحف. خرج منها رجلان يرتديان زي شرطة بوسطن، وأخبرا الحارس الليلي بأنهما استُدعيا للتحقيق في بلاغ عن اضطراب في الداخل. خالف الحارس، واسمه ريك أباث، قواعد الأمن وسمح لهما بالدخول من الباب الجانبي. وما إن دخلا حتى طلبا منه “الابتعاد عن الجدار”، ثم قيداه بالأصفاد وربطاه بشريط لاصق على فمه وعينيه. بعد دقائق، تم القبض على الحارس الثاني بنفس الطريقة. بمجرد السيطرة على الوضع، بدأ اللصّان جريمتهما التي استغرقت 81 دقيقة كاملة — وهو وقت طويل بشكل غير معهود في عمليات السرقة — ما يدل على معرفة مسبقة بتصميم المكان ونظام الحماية.
ما تمت سرقته من المتحف

لم يسرق الجناة كل شيء في المتحف، بل اختاروا بعناية 13 عملاً فنياً محدداً من صالات العرض، وهي أعمال نادرة لا تقدّر بثمن:
- “العاصفة في بحر الجليل” – لوحة زيتية للفنان الهولندي رامبرانت فان راين، وهي العمل الوحيد المعروف له الذي يصوّر مشهداً بحرياً.
- “السيدة والعقرب” (A Lady and Gentleman in Black) – عمل آخر لرامبرانت.
- “الحفلة الموسيقية” (The Concert) – للفنان الهولندي فيرمير، وتُعدّ من أكثر اللوحات قيمة في العالم إذ تُقدّر قيمتها بأكثر من 200 مليون دولار.
- “المنظر من أوبي” (Landscape with an Obelisk) – لوحة لتلميذ رامبرانت، غوفيرت فلك.
- “ديفي وجولايث” – رسمة صغيرة لرامبرانت على لوح نحاسي.
- خمسة أعمال للفنان الفرنسي إدغار ديغا تمثل مشاهد من سباقات الخيول والراقصات.
- تمثال برونزي صغير لنسر نابولي.
- زخرفة رأس الميدالية من صولجان نابليون.
ما يثير الدهشة أن اللصوص تجاهلوا العديد من اللوحات التي كانت أكثر قيمة أو أسهل للبيع، مثل لوحات لرافائيل وميكلانجلو، مما جعل المحققين يظنون أن الجريمة لم تكن من أجل المال فقط بل ربما كانت بتكليف محدد من جامع خاص للفن.
قيمة المسروقات
قدّرت السلطات الفيدرالية الأمريكية أن إجمالي قيمة الأعمال المسروقة تجاوز 500 مليون دولار أمريكي، ما جعلها أغلى سرقة فنية في التاريخ. وللمقارنة، فإن هذه القيمة تفوق قيمة جميع سرقات المتاحف الأخرى مجتمعة في تلك الفترة. كما أن لوحة فيرمير وحدها كانت تساوي ما يعادل ميزانية تشغيل المتحف لعقود طويلة.
التحقيقات الأولى
بعد اكتشاف الجريمة في الصباح، أُبلغت شرطة بوسطن ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI). وجدت السلطات أن نظام الإنذار قد تم تعطيله من الداخل، وأن التسجيلات الأمنية سُجلت فوقها عمداً. وبالرغم من جمع البصمات والقرائن، لم يُعثر على أي دليل واضح يقود إلى المجرمين. استجوب المحققون الحارسين، خصوصاً ريك أباث، الذي سمح بدخول اللصوص. ورغم الاشتباه فيه لفترة طويلة، إلا أنه لم يتم توجيه أي اتهام رسمي له. كما حقق الـFBI مع مجرمين محليين معروفين في بوسطن، يشتبه بعلاقتهم بالجريمة المنظمة، من بينهم أعضاء من عصابات المافيا الإيطالية والإيرلندية. لكن لم يتم العثور على أي أثر للأعمال الفنية.
اقرا ايضا القتلة البريطانيين إيان برادي وميرا هيندلي وجرائمهم بين 1963 و1965















