يُعد جبل إتنا واحداً من أكثر البراكين نشاطاً على وجه الأرض، وقد شكّل عبر القرون جزءاً لا يتجزأ من تاريخ وثقافة وجغرافية جزيرة صقلية. يقف هذا العملاق البركاني شامخاً على الساحل الشرقي للجزيرة، بالقرب من مدينة كاتانيا، وقد شهد مئات الثورات البركانية خلال تاريخه الطويل.
لكن لا واحدة من تلك الثورات كانت أكثر تدميراً وهولاً من ثوران عام 1669، الذي أودى بحياة ما يقارب 15,000 شخص وغيّر معالم الجزيرة إلى الأبد.
جبل إتنا: عملاق صقلية الأبدي

يُعرف جبل إتنا في اللغة الإيطالية باسم مونجيبيلّو (Mongibello)، وهو أعلى بركان في أوروبا وأكثرها نشاطاً، إذ يبلغ ارتفاعه أكثر من 3,300 متر فوق مستوى سطح البحر. يهيمن البركان على شرق جزيرة صقلية، وتُعد تربته البركانية الخصبة سبباً رئيسياً في ازدهار الزراعة في المنطقة منذ قرون.
لكن الحياة تحت ظل هذا العملاق كانت دائماً مزيجاً من الخير والخطر؛ فبينما جلبت تربته الغنية الخصب والرخاء، حمل نشاطه البركاني الموت والدمار مراراً. ومع ذلك، يبقى ثوران عام 1669 الحدث الأبرز في تاريخه الدموي.
البدايات: زلازل تنذر بالكارثة

قبل أشهر من الكارثة، شهدت المنطقة المحيطة بجبل إتنا سلسلة من الزلازل المتكررة، خصوصاً في بلدات نيكولوزي وميستيربيانكو وباترنو. وصف السكان تلك الهزات بأنها قوية ومتواصلة، لكنها لم تكن كافية لتحذيرهم من حجم الخطر القادم.
اليوم، يعرف العلماء أن تلك الزلازل كانت نتيجة صعود الصهارة (الماجما) من أعماق الأرض، مما أدى إلى تشققات في الطبقات الصخرية بحثاً عن منفذ. ويُعد إتنا نظاماً بركانياً معقداً يحتوي على العديد من الفتحات الجانبية، لذلك يمكن أن تندفع الحمم من نقاط بعيدة عن فوهته الرئيسية مسببة دماراً واسعاً.
بداية الثوران: 11 مارس 1669

في مساء يوم 11 مارس 1669، انشقت الأرض فجأة على السفح الجنوبي لجبل إتنا بالقرب من بلدة نيكولوزي، وبدأت النيران والحمم تنفجر من الشقوق كأنها جحيم مفتوح. ارتفعت نافورات من الحمم مئات الأمتار في الهواء، وبدأت أنهار من الصخور المنصهرة تتدفق نحو القرى المجاورة بسرعة مروعة.
غطّى الرماد البركاني السماء حتى عمّ الظلام نهار المنطقة، ووصل الغبار البركاني إلى مناطق بعيدة مثل ميسينا وحتّى كالابريا في البرّ الإيطالي المقابل.
وخلال ساعات، بدأت الحمم في تدمير كل ما اعترض طريقها — الغابات، المزارع، والمنازل — لتتحول الأراضي الخصبة إلى صحراء من النار.
مسار الدمار
خلال الأيام التالية، تقدمت الحمم البركانية بلا هوادة، فابتلعت قرى كاملة مثل مومبيلييري ومالباسو وميستيربيانكو.
حاول السكان الفرار حاملين ما استطاعوا من متاعهم، لكن كثيرين لم يتمكنوا من النجاة. فقد كانت الحمم تتحرك بارتفاع وصل إلى 15 متراً في بعض المناطق، وبحرارة كفيلة بإذابة كل شيء.
تقدّر المصادر التاريخية أن نحو 15,000 شخص لقوا حتفهم، إما حرقاً أو اختناقاً بالغازات السامة. وغرقت قرى بأكملها في صمت أبدي تحت طبقات الصخور السوداء.
الخسائر البشرية والاقتصادية
كان الأثر الإنساني لهذه الكارثة هائلاً. فقد فقد أكثر من 15 ألف شخص حياتهم، فيما تُرك عشرات الآلاف بلا مأوى. دُمّرت المحاصيل، ونفقت المواشي، وتلوثت مصادر المياه.
عمّت المجاعة والأوبئة، وتراجع الاقتصاد في معظم مناطق صقلية، حتى تلك البعيدة عن البركان، بسبب الرماد البركاني الكثيف الذي غطّى الحقول وجعل الزراعة شبه مستحيلة لسنوات.
كما كانت الخسائر الثقافية والدينية مؤلمة للغاية. فقد دُمرت العديد من الكنائس والأديرة، من بينها دير سان نيكولو لارينا الشهير في كاتانيا، الذي أُعيد بناؤه لاحقاً ليصبح رمزاً لصمود المدينة.
اقرا ايضا زلزال لاكويلا 2009: حادثة إيطالية مدمرة
















