مشنوقا امام الملأ في قلب شوارع دمشق وعليه لافتة مكتوب رسالة تهز من يقرأها , هذا هو أيلي كوهين، الجاسوس الإسرائيلي الشبح الذي تسلل إلى أعلى دوائر النخبة السورية في الستينيات ، متنكرًا في شخصية “كامل أمين ثابت”، تاجر ثري يخفي تحت قناعه واحدًا من أخطر وأخبث العملاء والجواسيس في التاريخ . كيف استطاع شاب مصري المولد ، من عائلة يهودية متواضعة، أن يصبح العين التي لا تنام لإسرائيل في قلب سوريا , وكيف استطاع التخفي وخداع المجتمع السوري بفقرائه واغنيائه ومثقفيه لمدة ثماني سنوات , بل بلغ مستوى اختراقه لدرجة أنه كان قاب قوسين او ادنى من ان يصبح رئيسا لسوريا . كيف خدع الجميع طوال هذه المدة ، واستطاع تغيير مسار حروب دموية ويترك وراءه تاريخ يدرس الى اليوم ؟
رغم أنه كان خفي كالشبح الا ان ايلي كوهين مع كل خطوة كانت فرصة كشفه تزداد . كيف استطاع اختراع الدولة السورية وما هو الاسلوب الذي اتبعه , والاخطر ما هو الخطأ الذي ارتكبه وكشف عنه الغطاء لينتهي مشنوقا امام الملأ في قلب دمشق لبدأ القصة

ولد إيلي كوهين في 26 ديسمبر 1924 في مصر، تحديدًا في الإسكندرية، وهو ينتمي إلى عائلة يهودية سورية الأصل. كانت طفولته مليئة بالعوامل التي شكلت شخصيته ومهاراته، والتي أسهمت لاحقًا في نجاحه كجاسوس محترف. كان والده يُدعى شاؤول كوهين، ووالدته صوفي. عائلته كانت واحدة من العائلات التي كانت تعيش في الإسكندرية، ومندمجة مع مسلميها ومسيحييها لدرجة كبيرة.
كانت الإسكندرية في ذلك الوقت مدينة عالمية، تضم خليطًا من المصريين واليهود واليونانيين والإيطاليين وغيرهم. كان إيلي محظوظًا أن نشأ في هذه البيئة متعددة الثقافات، الشيء الذي ساعده على تعلم اللغة العربية والفرنسية والإنجليزية بطلاقة، وأيضًا اللهجتين المصرية والسورية. هذه المهارات اللغوية أصبحت لاحقًا أداة حاسمة في تنفيذ عملياته التجسسية بدقة وكفاءة عالية.

منذ طفولته، كان واضحًا أنه طفل ذكي ولديه قدرة كبيرة على بناء العلاقات مع الأطفال الآخرين. هذه هي الميزة التي تمثل المفتاح الحقيقي الذي يستعمله أي جاسوس لفتح أي باب واختراق أي مكان، كيفما كانت صعوبته.
بدأ نشاطه الصهيوني السري مبكرًا في سن المراهقة في مصر، حيث انضم إلى منظمات يهودية شبابية تدعم الهجرة من مصر إلى فلسطين المحتلة، وتدعم أيضًا قيام دولة إسرائيل عليها، رغم المخاطر الأمنية الخطيرة التي كانت ستسببها له هذه الأنشطة السرية في مصر خلال الأربعينيات. ونحن هنا نتحدث قبل إعلان إسرائيل كدولة عام 1948.
لكن بمجرد إعلان دولة إسرائيل، بدأ النظام المصري آنذاك يضيق على اليهود الذين كانوا يهرّبون اليهود ومعهم الأموال إلى الأراضي المحتلة. هذا الأمر شكل ضربة قوية للاقتصاد المصري وحتى الأمن القومي، الشيء الذي جعل اليهود مراقبين من السلطات المصرية بشكل دائم ومستمر

في سنة 1950، ألقت السلطات المصرية القبض علي ايلي كوهين بسبب مشاركته في نشاطات صهيونية، لكن بعد إطلاق سراحه، هاجر إلى إسرائيل سنة 1957، حيث بدأت رحلته الحقيقية كجاسوس إسرائيلي. بالنسبة للموساد الإسرائيلي، هذه الخلطة التي يتمتع بها إيلي كوهين بالنسبة لأي جهاز مخابرات هي كنز حقيقي: رجل سوري عاش في مصر، يتقن اللهجتين بالإضافة إلى العربية والفرنسية والإنجليزية، ويمكنه بكل سهولة أن يتأقلم ويذوب في أي بيئة أو ثقافة تُوضع فيها، إضافة إلى أنه صهيوني حتى النخاع، وقضيته الأولى والأخيرة هي إسرائيل وبس.
وفعلاً، بمجرد وصوله إلى إسرائيل، تم تجنيده وتدريبه بشكل مكثف على أساليب التجسس، والأدوات التي سيستعملها، وأيضًا الشخصيات التي سيستهدفها، والخطط التي سيمشي عليها. وكان الهدف هو اختراق النظام السوري. كانت سوريا في ذلك الوقت لديها مشكلات كبيرة مع إسرائيل، بالأخص بعد أن احتلت الجولان وسيطرت عليه. كانت مهمة كوهين الأساسية جمع المعلومات الاستخباراتية عن الأنشطة العسكرية والسياسية السورية لحماية المصالح الإسرائيلية. لذلك، كُلّف كوهين ببناء علاقات مع كبار المسؤولين السوريين، رجالاً ونساءً.

لكن بطبيعة الحال، لن يذهب مباشرة إلى سوريا ويقول لهم: مرحبًا، ادخلوني إلى بيوتكم. الخطة كانت أن يسافر ايلي كوهين إلى الأرجنتين، وهناك سيبدأ التقرب من موظفي السفارة السورية على أنه رجل أعمال سوري ثري مغترب اسمه كامل أمين ثابت، يعيش حياة فاخرة وكأنه رجل أرستقراطي. وبلكنته السورية الممزوجة ببعض الكلمات الفرنسية، يعطي انطباعًا أنه فعلاً من الطبقة الأرستقراطية بدون أي شك، إضافة إلى أنه أقنعهم بعشقه لسوريا وثقافتها وتاريخها. وللأسف، كان أعضاء السفارة منومين لأبعد درجة.

موظفو السفارة الذين أنشأ معهم علاقات صداقة وعمل ساعدوه في العودة إلى سوريا وزيارة أزقتها الجميلة وتجربة أطعمتها اللذيذة. وفي النهاية، استقر في دمشق واشترى منزلًا فاخرًا يناسب مكانته الاجتماعية، الشيء الذي سمح له باستضافة حفلات للنخبة السورية: فنانين، مثقفين، كتاب، أساتذة جامعات، رجال أعمال، سياسيين، عسكريين، وأمنيين. لم يترك أي أحد لم يربط معه علاقة. بل كان يتبرع للجمعيات الخيرية، ويبني مساجد، ويقدم نصائح في المشاريع الزراعية، وأشياء لا تُخطر على بال. يعني، فعلاً كان منخرطًا بين صناع القرار السوري بشكل عجيب جدًا، لدرجة أنه كان قريبًا من أن يحصل على منصب حكومي في سوريا.

كان ايلي كوهين تقريبًا كل يوم يرسل تقارير يومية للموساد الإسرائيلي بالمعلومات الاستخباراتية التي جمعها عبر معدات راديو مخفية وشفرات سرية متطورة لا يعلم بها أي أحد. حتى زوجته نادية وأطفالهما الثلاثة بقوا في إسرائيل، ولم يكونوا يعلمون أي شيء من هذه الأمور التي يفعلها. يعني، لم يكونوا يعلمون أنه جاسوس أبدًا.

تمكن الجاسوس الاسرائيلي ايلي كوهين بكفاءة عالية من التوغل بين أجهزة النظام السوري، وبنى علاقات متعددة ومتشعبة، واستطاع فعلاً الوصول إلى عدة معلومات سرية وتسريبها للجيش الإسرائيلي. تمكن أيضًا حتى من التأثير على القرارات داخل سوريا. فعلى سبيل المثال، أحد الأمور العجيبة التي استطاع فعلها أنه اقترح على مسؤولين سوريين زراعة أشجار الكينا في المواقع العسكرية القريبة من الحدود لتوفير الظل. لم يكن أي أحد يظن أنها من تدبير الموساد من أجل أن تستعملها القوات الإسرائيلية خلال حرب الأيام الستة في 1967 بتحديد تلك المواقع من الجو وضربها بالصواريخ من الطائرات.

وصل كامل أمين ثابت أو إيلي كوهين في سوريا تقريبًا لثماني سنوات، وهو يزود الجيش الإسرائيلي بمعلومات استخباراتية دقيقة لا تُقدر بثمن. تمكنوا بفضل هذه المعلومات من ضرب أماكن عسكرية حساسة، واغتيال قيادات عسكرية مهمة، وإيقاف وكشف العديد من العمليات العسكرية التي كانت القوات السورية تخطط لتنفيذها ضد إسرائيل.

لكن في يناير 1965، تمكنت الاستخبارات السورية من اعتراض إشارات الراديو التي كان يرسلها ايلي كوهين ، بفضل تكنولوجيا سوفييتية متطورة. وفعلاً، تمكنوا من كشف هويته واعتقاله. هذا الحدث أحدث ضجة كبيرة بين الأوساط السورية، بالأخص بعد بدء عملية التحقيق مع إيلي كوهين والاصطدام أمام حجم الاختراقات التي أحدثها هذا الجاسوس. اكتشفوا أنه اخترق سوريا كلها طولاً وعرضًا، لم يترك أي شيء لم يصل إليه، لم يترك أي شخصية بارزة في النظام لم يقترب منها، لم يترك أي معلومة سرية لم يوصلها للموساد. يعني، حرفيًا فعل فيهم الأفاعيل. لذلك، كانت محاكمته سريعة.

خبر اعتقال ايلي كوهين أحدث ضجة كبيرة في إسرائيل، وتدخلت الكثير من الجهات الدولية والشخصيات البارزة لإقناع النظام السوري بعدم إعدامه وتسليمه، مثل البابا والرئيس الفرنسي شارل ديغول. لكن رغم كل هذا، تم إعدامه شنقًا في ساحة المرجة في العاصمة السورية دمشق، في 18 مايو 1965، وبُثت عملية الإعدام هذه على التلفزيون السوري لإيصال رسالة قوية إلى جميع الجواسيس الآخرين الموجودين في سوريا ورسالة أيضًا إلى الموساد الإسرائيلي، وكأنهم يقولون: هذا هو مصير جواسيسكم.

وكما ترون في هذه الصورة التي يظهر فيها إيلي كوهين وهو مشنوق، وعليه ورقة كبيرة مكتوب فيها قرار المحكمة بإعدامه. ثم بعدها، دُفن جسده في مكان سري، ورفض النظام السوري آنذاك أي عروض أو صفقة بتسليم جثمانه للإسرائيليين.

أُحدثت هذه القصة مسلسلاً في نتفليكس عام 2019 باسم “الجاسوس”. طبعًا، هذا المسلسل هو جزء من البروباغندا الصهيونية لإضفاء صبغة البطل الخارق الذي لا يُقهر على أحد أهم جواسيسها . والسبب الذي جعلني أقول هذا الكلام أن أحداث هذا المسلسل منها ما هو حقيقي ومنها ما هو من نسج خيال المؤلف ، بهدف خلق سامة في وعي المشاهدين وهي أن أي أحد ينتمي إلى الصهيونية ويدافع عنها هو بطل خارق لا يمكن أن يُهزم ، تمامًا كما فعلت أمريكا في حربها ضد فيتنام . كانت تُنتج أفلامًا كفيلم رامبو تُظهر الرجل الأمريكي الأبيض وكأنه قوة لا تُهزم ، يستطيع قتل عشرات ومئات الفيتناميين بدون حتى استخدام السلاح،
هذه بعض الصور والمقطاع الحقيقية التي تم تصويرها يوم اعدام الجاسوس ايلي كوهين :


مقالة أخرى : القرد أوليفر : الشمبانزي الذي حير علماء العالم 50 سنة


















Comments 1