يُعد انهيار جسر تاكوما ناروز (Tacoma Narrows Bridge) عام 1940 واحداً من أكثر الكوارث الهندسية شهرة في التاريخ الحديث، ليس بسبب عدد الضحايا أو الأضرار البشرية، بل بسبب الطريقة المذهلة التي انهار بها الجسر بعد أربعة أشهر فقط من افتتاحه. هذا الانهيار الذي حدث أمام الكاميرات أصبح درساً خالداً في تاريخ الهندسة المدنية والميكانيكا الإنشائية، وكشف عن أخطاء قاتلة في تصميم الجسور الحديثة آنذاك، وأدى إلى تغييرات جذرية في فهم العلماء لسلوك الهياكل عند تعرضها للرياح. على الرغم من أن الجسر لم يتسبب في أي وفيات بشرية، إلا أن مشهد انهياره كان صادماً للعالم، وأصبح رمزاً للتحذير من تجاهل ديناميكية الرياح والاهتزازات في التصميمات الهندسية.
خلفية بناء الجسر

في ثلاثينيات القرن العشرين، كانت منطقة تاكوما ناروز في ولاية واشنطن الأمريكية بحاجة ماسة إلى جسر يربط مدينتي تاكوما وكي بيتنسولا، لتسهيل حركة المرور والنقل التجاري. في عام 1938 بدأ العمل في بناء الجسر بعد تمويل من الحكومة الأمريكية بقيادة الرئيس فرانكلين روزفلت ضمن “مشروع الأشغال العامة” الذي كان يهدف إلى دعم الاقتصاد الأمريكي خلال فترة الكساد العظيم. تم تصميم الجسر من قبل المهندس الشهير ليون مويسيف (Leon Moisseiff)، الذي كان أحد أبرز مصممي الجسور المعلقة في ذلك العصر، بمساعدة المهندس كلارك إلدر (Clark Eldridge). كان الهدف هو بناء جسر خفيف الوزن وأنيق المظهر بتكلفة منخفضة نسبياً. وبالفعل، عند اكتماله، كان الجسر يُعتبر تحفة هندسية بطول 1810 متراً وعرض 12 متراً، ليصبح ثالث أطول جسر معلق في العالم بعد جسرَي جولدن غيت وجسر جورج واشنطن.
تصميم مبتكر لكنه خطير

ما جعل جسر تاكوما ناروز مميزاً كان تصميمه النحيف والأنيق. استخدم المهندسون ألواح فولاذية صلبة بدلاً من شبكات معدنية مفتوحة في سطح الجسر، مما جعله أكثر خفة وأقل كلفة. ولكن هذا القرار أدى إلى ضعف مقاومة الجسر للرياح. كانت حواجز الجسر الجانبية العالية مصممة من الصفائح المعدنية الصلبة، ما جعلها تعمل كـ”شراع” يلتقط الرياح بدلاً من السماح لها بالمرور. وبدلاً من أن تكون الرياح عاملاً بسيطاً من عوامل البيئة، أصبحت سبباً مباشراً في توليد اهتزازات هوائية قوية أدت إلى ظاهرة تُعرف بـ الرنين الهوائي (aeroelastic flutter)، وهي التي تسببت لاحقاً في تدمير الجسر بالكامل.
افتتاح الجسر وبداية المشكلة

تم افتتاح جسر تاكوما ناروز رسمياً في 1 يوليو 1940 بحضور آلاف الأشخاص. وكان الجسر تحفة معمارية بحق، حتى أن السكان المحليين أطلقوا عليه لقب “Galloping Gertie” أي “الجرتر الراقصة”، بسبب حركته المستمرة المتمايلة بفعل الرياح حتى في الأيام العادية. في الأسابيع الأولى، لاحظ السائقون والمارة أن الجسر يهتز بقوة حتى عند هبوب رياح خفيفة لا تتجاوز 35 إلى 40 كم/ساعة. كانت السيارات ترتفع وتنخفض بشكل ملحوظ أثناء العبور، وكانت الأرضية تميل أحياناً عدة أقدام في الاتجاهين. ومع ذلك، لم يعتبر المهندسون هذه الاهتزازات خطراً حقيقياً، بل مجرد ظاهرة مرئية مثيرة للدهشة.
يوم الكارثة: 7 نوفمبر 1940
في صباح يوم الخميس 7 نوفمبر 1940، كانت سرعة الرياح في المنطقة تبلغ حوالي 65 كم/ساعة، وهي ليست سرعة استثنائية. ومع ذلك، بدأت الجسور تهتز بعنف لم يسبق له مثيل. تصاعدت التموجات في سطح الجسر إلى ارتفاعات وصلت إلى 8 أمتار بين أعلى نقطة وأدناها، مما جعل الجسر يتحرك كما لو كان موجة بحرية عملاقة. حوالي الساعة 10:00 صباحاً، بدأت الاهتزازات تتحول من حركة عمودية إلى حركة التواء أفقي خطيرة، حيث بدأ الجسر يدور حول محوره الوسطي بمعدل 14 دورة في الدقيقة. خلال دقائق قليلة، انهارت أجزاء ضخمة من الجسر وسقطت في مياه مضيق تاكوما. العجيب أن لم يُقتل أي شخص في الحادث، ولكن كلباً صغيراً يُدعى “Tubby” كان داخل سيارة مهجورة على الجسر لقي حتفه بعد رفضه الخروج من السيارة. تم توثيق لحظة الانهيار بالفيديو بواسطة المهندس فاريس هوبارد (F. B. Farquharson) الذي كان يراقب الجسر آنذاك، وأصبحت اللقطات من أشهر المقاطع في تاريخ الهندسة.
الأسباب العلمية للانهيار
بعد الحادث، أُجري تحقيق شامل قاده العديد من علماء الهندسة، أبرزهم تيودور فون كارمان، أحد أشهر خبراء الديناميكا الهوائية في القرن العشرين. أظهرت النتائج أن السبب الرئيسي للانهيار لم يكن ضعف المواد أو خطأ في البناء، بل ظاهرة الديناميكا الهوائية المرنة (aeroelastic flutter). في هذه الظاهرة، تتفاعل الرياح مع البنية المرنة للجسر بشكل متكرر يؤدي إلى تضخيم الاهتزازات حتى تصل إلى نقطة الانهيار. وقد تم استنتاج أن تصميم الجسر النحيف والمستوي جعل سطحه غير مستقر هوائياً، وأن الرياح المتقطعة والمتكررة خلقت دوامات هوائية متناوبة سببت حركة التواء مستمرة، كما أن غياب فتحات تهوية في جسم الجسر زاد من ضغط الهواء على السطح. كانت تلك المرة الأولى التي يدرك فيها المهندسون أن الرياح يمكن أن تكون عاملاً ديناميكياً يؤدي إلى انهيار الهياكل الكبيرة، وليس مجرد قوة ثابتة يمكن مقاومتها بسهولة.
اقرا ايضا 10 أشياء يجب فعلها عند زيارة إسطنبول
















