في مساء الثاني من سبتمبر عام 1998، شهد العالم واحدة من أكثر الكوارث الجوية مأساوية في تاريخه الحديث. فقد تحطمت طائرة الخطوط الجوية السويسرية الرحلة رقم 111 في المحيط الأطلسي بالقرب من سواحل نوفا سكوشا الكندية، ما أدى إلى مقتل جميع الركاب البالغ عددهم 229 شخصًا.
كان سبب الكارثة حريقًا كهربائيًا شبّ في الجو، لتصبح هذه الحادثة واحدة من أكثر الكوارث الجوية التي تمت دراستها وتحليلها بدقة في تاريخ الطيران، وأسفرت عن تغييرات جذرية في أنظمة السلامة والتصميم والصيانة في جميع أنحاء العالم.
بداية الطوارئ

في حوالي الساعة 10:10 مساءً بتوقيت كندا الأطلسي، وأثناء تحليق الطائرة على ارتفاع عالٍ فوق المحيط بالقرب من سواحل نوفا سكوشا، لاحظ الطياران أورس زيمرمان وستيفان لو رائحة خفيفة للدخان في قمرة القيادة. وبعد دقائق، بدأ الدخان يزداد كثافة، ليبلغا مراقبة الحركة الجوية في مدينة مونكتون الكندية عن وجود دخان في المقصورة وطلبا التوجه نحو أقرب مطار وهو هاليفاكس الدولي للهبوط الاضطراري.
تمت الموافقة فورًا على طلبهم وبدأت الطائرة بالانحدار نحو المطار، ولكن الأمر خرج عن السيطرة بسرعة. فقد ازداد الدخان انتشارًا، وبدأت أنظمة الإنذار تعمل، وتعرضت الدوائر الكهربائية للأعطال واحدة تلو الأخرى.
في الساعة 10:24 مساءً، أعلن الطياران حالة الطوارئ القصوى. كانت الطائرة على بعد نحو 30 ميلاً فقط من المدرج، لكن الأنظمة الحيوية بدأت تتعطل، وفقد الطياران الاتصال تمامًا مع المراقبة الجوية.
اللحظات الأخيرة للخطوط الجوية السويسرية 111

في الساعة 10:31 مساءً، اختفت رحلة الخطوط الجوية السويسرية 111 من شاشات الرادار.
شهد سكان القرى الساحلية في نوفا سكوشا ومحيط بيغي كوف ومضيق سانت مارغريت وميضًا في السماء وصوت انفجار قوي. خلال ثوانٍ معدودة، اصطدمت الطائرة بالمحيط بسرعة تقدر بـ 555 كيلومترًا في الساعة، وتفتتت بالكامل فور الارتطام.
لم ينجُ أي من الـ229 شخصًا الذين كانوا على متنها. فقد تحطمت الطائرة إلى ملايين القطع الصغيرة وغرقت في مياه المحيط الباردة، متناثرة على مساحة تزيد عن 5 أميال بحرية من الشاطئ.
عملية الإنقاذ والبحث

كانت عملية البحث والإنقاذ واحدة من أضخم العمليات في التاريخ الكندي. شاركت فيها قوات الجيش والشرطة الملكية الكندية وخبراء السلامة الجوية.
استمرت عملية الانتشال والتحقيق أكثر من أربع سنوات، وتم خلالها استعادة أكثر من مليوني قطعة من حطام الطائرة، إضافة إلى آلاف المتعلقات الشخصية للضحايا.
وبسبب شدة الارتطام، كان التعرف على الضحايا صعبًا للغاية، إذ تم الاعتماد على تحليل الحمض النووي (DNA) لتحديد هوية الجثث.
كما تم استخدام غواصات آلية وأجهزة روبوتية خاصة لانتشال الحطام من أعماق وصلت إلى 55 مترًا.
كانت العملية دليلاً على التزام السلطات الكندية التام بكشف الحقيقة ومنح ذوي الضحايا بعض السلوى بعد هذه الفاجعة الكبرى.
كشف سبب الحريق القاتل
قاد مجلس سلامة النقل الكندي (TSB) التحقيق الرسمي في الحادث، والذي استمر لما يقرب من خمس سنوات، ليُصدر تقريرًا نهائيًا في مارس 2003 يشرح تفاصيل الكارثة بدقة مذهلة.
توصل المحققون إلى أن الحريق بدأ في منطقة السقف فوق قمرة القيادة، تحديدًا خلف مقصورة الطيارين اليمنى.
وُجد أن مصدر الاشتعال كان في أسلاك كهربائية متصلة بنظام الترفيه الجوي داخل الطائرة (IFE)، الذي تمت إضافته حديثًا لتوفير خدمات ترفيهية فاخرة في الدرجة الأولى مثل مشاهدة الأفلام والتسوق والمقامرة الإلكترونية.
لكن هذا النظام لم يكن جزءًا من تصميم الطائرة الأصلي. ومع مرور الوقت، أدت الحرارة والاهتزازات إلى تلف بعض الأسلاك الكهربائية، مما تسبب في تماس كهربائي أشعل مادة عازلة تُعرف باسم Mylar Metallized، وهي مادة خفيفة عاكسة تُستخدم لعزل الصوت والحرارة.
كانت المشكلة أن هذه المادة شديدة القابلية للاشتعال، مما أدى إلى انتشار النيران بسرعة كبيرة خلف الألواح الداخلية للطائرة دون أن يتمكن الطاقم من رؤيتها أو السيطرة عليها.
مقال اخر بحيرة نيوس-The Lake Nyos Disaster: القاتل الصامت في الكاميرون (1986)
















