في أعماق جبال الأورال الشمالية في روسيا، وعلى منحدر جبل يُعرف محليًا باسم «خولات سياخل» والذي يعني بلغة السكان الأصليين «جبل الموت»، وقعت واحدة من أكثر الحوادث غموضًا وإثارة للجدل في القرن العشرين، وهي حادثة ممر دياتلوف. هذه الحادثة التي وقعت في شتاء عام 1959 لم تكن مجرد مأساة جبلية عادية، بل تحولت مع مرور الزمن إلى لغز عالمي حيّر العلماء والمحققين والباحثين، ولا يزال يثير الأسئلة حتى يومنا هذا.
حادثة ممر دياتلوف تتعلق بوفاة تسعة متسلقين سوفييت ذوي خبرة عالية في ظروف غير طبيعية، وسط طقس قاسٍ وبيئة معزولة، مع أدلة ميدانية غريبة جعلت تفسير ما حدث أمرًا بالغ الصعوبة. ورغم مرور أكثر من ستين عامًا على الحادثة، فإن الغموض لا يزال قائمًا، وتتعدد النظريات بين التفسيرات العلمية والمنطقية، وأخرى تميل إلى الخيال والمؤامرة.
خلفية الرحلة وبداية القصة

في أواخر شهر يناير من عام 1959، انطلق عشرة طلاب وخريجين شباب من معهد الأورال التكنولوجي في رحلة تسلق شتوية صعبة عبر جبال الأورال الشمالية. كان الهدف من الرحلة الوصول إلى جبل أوتورتن، وهي رحلة مصنفة ضمن أعلى درجات الصعوبة في ذلك الوقت، لكنها كانت مناسبة تمامًا لمستوى وخبرة أفراد الفريق.
قاد الرحلة الطالب إيغور دياتلوف، وهو متسلق متمرس يتمتع بسمعة جيدة في مجال الرحلات الجبلية. قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة، اضطر أحد أعضاء الفريق إلى الانسحاب بسبب مرض مفاجئ، ليبقى تسعة متسلقين فقط يكملون الرحلة. هذا القرار أنقذ حياته لاحقًا، وجعله الشاهد الوحيد غير المباشر على ما حدث.
استمرت المجموعة في التقدم عبر الثلوج الكثيفة والرياح القوية ودرجات الحرارة التي كانت تنخفض إلى ما دون خمس وعشرين درجة مئوية تحت الصفر. وفي الحادي والثلاثين من يناير، أقام الفريق مخيمه الأخير على منحدر الجبل، دون أن يعلم أحد أن تلك الليلة ستكون الأخيرة لهم.
الاختفاء وبداية عمليات البحث

كان من المفترض أن يرسل الفريق رسالة عند عودته أو وصوله إلى نقطة معينة، لكن الأيام مرت دون أي خبر. في البداية لم يُبدِ أحد قلقًا كبيرًا بسبب طبيعة الرحلات الجبلية، إلا أن تأخرهم بشكل غير معتاد دفع عائلاتهم والجامعة إلى إبلاغ السلطات.
بدأت عمليات البحث رسميًا في منتصف فبراير، بمشاركة فرق إنقاذ ومتطوعين وطلاب، بالإضافة إلى الجيش لاحقًا. وبعد جهود مضنية وسط ظروف جوية قاسية، تم العثور على أول دليل صادم في السادس والعشرين من فبراير.
العثور على الجثث الأولى

بعد تتبع آثار الأقدام، عُثر على أول جثتين تحت شجرة صنوبر ضخمة على أطراف الغابة. كان الضحيتان يرتديان ملابس داخلية فقط، مع آثار لمحاولة إشعال نار صغيرة، ما يشير إلى محاولتهما اليائسة للبقاء على قيد الحياة.
بين موقع الشجرة والخيمة، تم العثور لاحقًا على ثلاث جثث أخرى، من بينها قائد الرحلة إيغور دياتلوف. أوضاع الأجساد أوحت بأنهم كانوا يحاولون العودة إلى الخيمة، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك بسبب البرد الشديد والإرهاق.
الجثث المتبقية والإصابات الغامضة
ظل أربعة من أعضاء الفريق في عداد المفقودين حتى شهر مايو، حين ذاب جزء من الثلوج. تم العثور عليهم في ممر مائي صغير داخل الغابة، تحت طبقات كثيفة من الثلج. وهنا تحول الحادث من مأساة إلى لغز حقيقي.
هؤلاء الأربعة كانت لديهم إصابات داخلية شديدة، مثل كسور في الجمجمة والقفص الصدري، تشبه تلك الناتجة عن حوادث تصادم قوية، لكن دون وجود جروح خارجية كبيرة. إحدى الضحايا كانت تفتقد لسانها، وأخرى كانت تفتقد أجزاء من الوجه، مما أثار ذعر المحققين وأطلق العنان للتكهنات.
نتائج التحقيق الرسمي لحادثة ممر دياتلوف
التحقيق السوفييتي الرسمي انتهى بنتيجة غامضة للغاية، حيث أُعلن أن سبب الوفاة هو «قوة طبيعية لا يمكن مقاومتها». لم يتم تحديد ماهية هذه القوة بشكل واضح، كما أُغلقت القضية بسرعة، ما زاد من الشكوك حول وجود معلومات مخفية.
هذا الغموض الرسمي فتح الباب أمام عشرات النظريات، بعضها علمي، وبعضها خيالي، وبعضها يتحدث عن مؤامرات عسكرية أو ظواهر غير معروفة.
اقرا ايضا القبض الدراماتيكي على نيكولاس مادورو: نقطة تحول في تاريخ فنزويلا
















