في 19 أبريل عام 1993، اشتعلت النيران في مجمع “ماونت كارمل” قرب مدينة وايكو بولاية تكساس، منهية حصارًا استمر 51 يومًا بين السلطات الفيدرالية وجماعة دينية تُعرف باسم “فرع الداووديين” (Branch Davidians). أسفر الحريق عن مقتل 76 شخصًا، من بينهم رجال ونساء وأطفال. يُعد حادث وايكو أحد أكثر الأحداث إثارة للجدل في التاريخ الأمريكي الحديث، ليس فقط بسبب عدد الضحايا، ولكن بسبب الأسئلة التي طرحها حول حرية المعتقد، حدود سلطة الدولة، وأخطاء تطبيق القانون.
من هم “فرع الداووديين” ومن هو ديفيد كوريش؟

تعود جذور جماعة “فرع الداووديين” إلى حركة الأدفنتست السبتيين في ثلاثينيات القرن العشرين. ومع مرور الزمن، تبنت الجماعة تفسيرات دينية خاصة، تركزت حول نبوءات نهاية العالم والعيش المشترك في مجتمعات منعزلة. في الثمانينيات، ظهر رجل يُدعى “فيرنون هاول” الذي غيّر اسمه لاحقًا إلى ديفيد كوريش، وأعلن نفسه نبيًا ومخلصًا موعودًا. تحت قيادته، أصبحت مزرعة “ماونت كارمل” خارج وايكو مركزًا دينيًا وسكنيًا للجماعة، حيث عاش العشرات من أتباعه في عزلة شبه تامة. لكن سرعان ما انتشرت تقارير عن قيام الجماعة بتخزين كميات كبيرة من الأسلحة، إضافة إلى مزاعم بوقوع انتهاكات بحق الأطفال داخل المجمع. هذه المخاوف دفعت مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية (ATF) إلى مراقبة كوريش وأتباعه، في تحقيق انتهى إلى واحدة من أكثر العمليات فشلًا في تاريخ إنفاذ القانون الأمريكي.
الهجوم الأول في 28 فبراير 1993

في صباح 28 فبراير 1993، شنّ عملاء الـATF عملية مداهمة لمجمع “ماونت كارمل” لتنفيذ أمر تفتيش واعتقال ضد ديفيد كوريش بتهم تتعلق بحيازة أسلحة غير قانونية. لكن العملية انقلبت إلى تبادل إطلاق نار عنيف استمر لساعات. قُتل أربعة من عملاء الـATF وجُرح أكثر من عشرة، بينما قُتل عدد من أتباع كوريش أيضًا. هذا الفشل الذريع دفع الحكومة الفيدرالية إلى اتخاذ قرار بفرض حصار كامل على المجمع. تولى مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) قيادة العملية، وبدأت واحدة من أطول المواجهات المسلحة في التاريخ الأمريكي الحديث.
حصار الـ51 يومًا

من مارس حتى منتصف أبريل 1993، عاشت أمريكا والعالم على وقع حصار وايكو. أجرى مفاوضو الـFBI عشرات المكالمات مع كوريش وأتباعه في محاولة لإقناعهم بالاستسلام. بالفعل خرج بعض الأطفال وعدد محدود من النساء خلال الأيام الأولى، لكن المفاوضات سرعان ما توقفت بسبب تعنت كوريش ومطالبه الغريبة، التي تضمنت “انتظار أمر إلهي” للخروج. في الوقت ذاته، كانت وسائل الإعلام تبث الحدث لحظة بلحظة، فصار الحصار حدثًا تلفزيونيًا يتابعه الملايين حول العالم. ومع مرور الأيام، استخدم الـFBI وسائل ضغط نفسية: تشغيل موسيقى صاخبة طوال الليل، قطع الكهرباء والمياه، وحتى بث رسائل تهديد عبر مكبرات الصوت. لكن هذه الأساليب لم تنجح، بل زادت من توتر الوضع داخل المجمع وجعلت النهاية أكثر مأساوية.
19 أبريل 1993
في صباح يوم 19 أبريل 1993، وبعد أن فقدت السلطات الأمل في الاستسلام السلمي، قررت الـFBI تنفيذ خطة لإنهاء الحصار. بدأت القوات باستخدام عربات مدرعة لضخ غاز الدموع داخل المباني لإجبار أتباع كوريش على الخروج. لكن خلال الساعات التالية، اندلعت حرائق متعددة داخل المجمع وانتشرت بسرعة مذهلة في الهياكل الخشبية. لم تتمكن فرق الإطفاء من التدخل فورًا بسبب استمرار إطلاق النار والمخاوف من وجود قنابل داخلية. في غضون أقل من ساعة، التهمت النيران المجمع بأكمله. كانت النتيجة مأساوية: 76 قتيلًا، بينهم 25 طفلًا وديفيد كوريش نفسه. الصور التي بثّها الإعلام لجثث متفحمة ومبانٍ محترقة صدمت العالم، وأثارت عاصفة من الغضب والأسئلة.
من أشعل الحريق وايكو
منذ اللحظة الأولى، انقسمت الروايات حول سبب الحريق. التحقيق الرسمي الذي أجرته وزارة العدل الأمريكية خلص إلى أن أتباع كوريش هم من أشعلوا النار عمدًا في عدة نقاط داخل المجمع كنوع من “الانتحار الجماعي” استنادًا إلى أدلة كيميائية وشهادات بعض الناجين. لكن آخرين، من بينهم صحفيون وخبراء مستقلون، رفضوا هذا التفسير، واتهموا الـFBI بالتسبب في الحريق عن طريق استخدام الغاز والذخيرة الحارقة أو عن طريق تحطيم الجدران بما سمح بانتشار النار. ظل الجدل قائمًا حتى بعد سنوات، خاصة بعد ظهور مقاطع فيديو وتقارير تشير إلى أن بعض قنابل الغاز التي استخدمتها القوات كانت قابلة للاشتعال. الحقيقة الدقيقة ربما لن تُعرف أبدًا، لكن ما هو مؤكد أن الحريق كان نتيجة سلسلة من القرارات الخاطئة وسوء التقدير على الجانبين.
مقال اخر قصة العالم ماكس بلانك: أحد أكثر الفيزيائيين تأثيرًا في القرن العشرين
















