في يوم ربيعي جميل من عام 2013، تجمّع آلاف المشاركين والمتفرجين للاحتفال بالأداء الرياضي والروح الجماعية في ماراثون بوسطن، أحد أعرق السباقات في الولايات المتحدة. لكن في الساعة 2:49 عصرًا تقريبًا، وقع الانفجار، وتحوّلت الأجواء إلى فوضى ورعب. الحادث صدم المدينة والعالم، وأعاد طرح أسئلة مؤلمة عن الإرهاب والحماية المدنية والرؤية المشتركة لأمن المواطنين.
خلفية الماراثون وانفجار بوسطن

سباق ماراثون بوسطن يُعقد سنويًا في يوم “Patriots’ Day” في ولاية ماساتشوستس، وقد امتد عبر سنوات طويلة كحدث رياضي مرموق يجتذب عدائين من كافة أنحاء العالم. في عام 2013، أُقيم الماراثون في 15 أبريل، وشارك فيه نحو 26,000 عدّاء تقريبًا. الماراثون عادة ما يجذب الجمهور إلى الشوارع، خاصة قرب خط النهاية في شارع بويلستون، وهو موقع حيوي ينتظره الجميع بحماس لمشاهدة المتسابقين يصلون. لم يكن ذلك اليوم مختلفًا من حيث الجو الرياضي، لكن ما لم يكن في الحسبان أن ذلك الاحتفال البريء سيتحوّل إلى مسرح لهجوم إرهابي مفجع.
كيف وقع الهجوم؟

في حوالي الساعة 2:49 مساءً (بتوقيت الشرق الأمريكي)، وقع التفجير الأول قرب رقم 671 في شارع بويلستون، في منطقة قريبة من خط النهاية. بعد حوالي 11 إلى 13 ثانية تقريبًا، انفجرت القنبلة الثانية على بُعد نحو 180 مترًا تقريبًا من الأولى، أيضًا قرب شارع بويلستون، بين الجمهور المتجمّع. القنبلتان صنعتا باستخدام أوانٍ ضغط محشوة بمتفجرات وقطع معدنية مثل المسامير والكرات الحديدية لتعمل كشظايا قاتلة. الهدف من هذه الشظايا هو إحداث أكبر قدر من الأذى للمتواجدين، حيث تطلق الشظايا في الهواء محدثة جروحًا مروعة.
الزجاج تحطم في المحال القريبة، وواجهات المباني تضررت، وبعض النوافذ المكونة من الطوابق العليا تهشمت. الشظايا أصابت بشكل خاص الأطراف السفلية، نظراً لأن القنبلتين وُضعتا على الأرض على جانبي الشارع، مما جعل الجزء السفلي من الجسد عرضة للضرر الأكبر. بعض الأشخاص فقدوا أطرافهم نتيجة شدة الانفجار.
الضحايا والإصابات

الهجوم تسبب في مقتل ثلاثة أشخاص:
- مارتن ريتشارد، طفل يبلغ من العمر 8 سنوات من حي دورشيستر في بوسطن.
- كريستيل كامبل، امرأة تبلغ من العمر 29 عامًا من مدينة ميدفورد بولاية ماساتشوستس.
- لينغزي لو، طالبة صينية تبلغ من العمر 23 عامًا كانت تدرس في الولايات المتحدة.
أما عدد المصابين فتجاوز 260 شخصًا، بعضهم أصيب بجروح طفيفة، وآخرون بإصابات خطيرة استلزمت عمليات بتر لأطرافهم. وأصيب عدد كبير منهم بشظايا وأجسام معدنية سببت نزيفًا وجروحًا عميقة. تشير تقارير طبية إلى أن سرعة الاستجابة الطبية ساعدت في إنقاذ العديد من الأرواح.
من بين هؤلاء، 17 شخصًا تعرضوا لبتر أطرافهم، فيما احتاج العشرات إلى عمليات جراحية معقدة. ومع كل ذلك، ظهرت قصص ملهمة عن الشجاعة والنجاة. بعض المصابين الذين فقدوا أطرافهم أصبحوا رموزًا للأمل، وأنشأوا منظمات لدعم الآخرين مثل مؤسسة “A Leg Forever” التي تقدم مساعدات للضحايا في الحصول على أطراف اصطناعية متطورة.
الأخوان تسارناييف

بعد أيام من التحقيقات، حددت السلطات هوية المنفذين وهما الأخوان تامرلان تسارناييف وجوهار تسارناييف. تامرلان هو الأخ الأكبر وكان يبلغ من العمر 26 عامًا، بينما جوهار كان يبلغ 19 عامًا. الأخوان من أصل شيشاني وهاجرا إلى الولايات المتحدة قبل سنوات.
رُصدت صور لهما عبر كاميرات المراقبة وهما يحملان حقائب ظهر في شارع بويلستون قبل الانفجار بوقت قصير. وبعد نشر صورهما، بدأت مطاردة ضخمة شلت مدينة بوسطن بالكامل.
في 18 أبريل، قتل الأخوان ضابطًا من شرطة معهد MIT يدعى شون كوليير أثناء محاولتهما سرقة سلاحه. وبعد ساعات، خطفا سائق سيارة يدعى دن مينغ، لكن الأخير تمكن من الهرب وأبلغ الشرطة بموقعهما.
وقعت بعدها مواجهة عنيفة في حي ووترتاون استخدمت فيها القنابل والأسلحة النارية. قُتل تامرلان أثناء الاشتباك بعدما دهسه شقيقه بالسيارة أثناء فراره. وبعد عملية بحث واسعة شملت آلاف رجال الأمن، عُثر على جوهار مختبئًا في قارب بحديقة منزلية، وتم القبض عليه في 19 أبريل.
الدوافع والتحقيقات
خلصت التحقيقات إلى أن الأخوين تأثرا بأفكار متطرفة دينية، وأنهما أرادا الانتقام من الولايات المتحدة بسبب حروبها في أفغانستان والعراق. لم يثبت ارتباطهما المباشر بأي منظمة إرهابية دولية، لكن تم التأكد من أنهما تعلما تصنيع القنابل عبر الإنترنت من منشورات متطرفة.
كشفت التحقيقات أن مكتب التحقيقات الفيدرالي كان قد تلقى تحذيرات من السلطات الروسية عام 2011 بشأن تامرلان، إلا أن المتابعة لم تكن كافية لمنع الهجوم. أثار ذلك جدلاً كبيرًا حول تبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية وضعف التنسيق في قضايا التطرف.
المحاكمة والعقوبة
في عام 2015، أُدين جوهار تسارناييف في ثلاثين تهمة، بينها استخدام سلاح دمار شامل وقتل أشخاص أبرياء. صدر عليه حكم بالإعدام في المحكمة الفيدرالية. لاحقًا، ألغت محكمة استئناف الحكم في 2020 بسبب مخاوف من تحيز هيئة المحلفين، لكن المحكمة العليا أعادت حكم الإعدام في 2022.
رغم ذلك، لا يزال النقاش قائمًا حول تنفيذ العقوبة أو تحويلها إلى سجن مؤبد. جوهار يقضي حاليًا عقوبته في سجن فلورنس شديد الحراسة بولاية كولورادو.
اقرا ايضا انفجار تكساس سيتي(texas explosion ): مأساة ضربت امريكا عام1947
















