نانكينغ (نَنْجِينغ أو نانجينغ حالياً) كانت عاصمة جمهورية الصين في خريف 1937، وعندما اقتربت القوات اليابانية كانت المدينة تعج بنساء وأطفال ومدنيين ولاجئين وسجناء حرب. بعد سقوط المدينة في 13 ديسمبر 1937 شنت وحدات من الجيش الإمبراطوري الياباني حملة عنف منهجي ضد سكانها؛ عمليات قتل جماعي، اغتصاب واسع النطاق، نهب وسلب، وحرق ممتلكات عامة وخاصة — أحداث دخلت التاريخ كواحدة من أكثر الفظائع في القرن العشرين.
مجزرة نانكينغ

خلال ثلاثينيات القرن العشرين تصاعدت توترات عدوانية بين اليابان والصين بعد اجتياح منشوريا عام 1931 وتأسيس دولة عميلة يابانية هناك. بحلول 1937 تحولت الاشتباكات إلى حرب واسعة (الحرب الصينية اليابانية الثانية) شهدت معارك ضخمة في شنغهاي ومناطق أخرى. هجوم اليابان على نانكينغ جاء بعد أسابيع من معارك شرسة حول شنغهاي، وسقوط نانكينغ جاء إثر انسحاب القوات الصينية الرسمية من المدينة تحضيراً لمقاومة في أماكن أخرى أو لتقليل خسائر المدنيين — لكن هذا الانسحاب لم يحفظ حياة الآلاف داخل المدينة.
أرقام الضحايا: لماذا الاختلافات كبيرة؟

أحد أكثر الجوانب المثيرة للجدل والمربكة حول المجزرة هو تقدير عدد القتلى. تقديرات المؤرخين والجهات الرسمية تتفاوت: الحكومة الصينية اعتمدت لوقت طويل رقماً شائعاً يبلغ 300,000 ضحية داخل نطاق معين، بينما دراسات ومسوحات حديثة تقترح نطاقات أوسع أو أضيق — من حوالي 40,000 إلى أكثر من 200,000 اعتماداً على ما إذا كان مقياس العد يقتصر على جدران المدينة الداخلية أو يشمل المناطق المحيطة والبلدات القريبة والزمن الممتد إلى أسابيع أو شهور. التحقيقات والمحاكم الدولية بعد الحرب خلصت إلى أرقام كبيرة وأكدت وقوع جرائم حرب واسعة النطاق. التباين في الأرقام يعكس اختلاف تعريفات الضحايا (مدنيون فقط أم يشملون الجنود القتلى في المعارك؟)، الاختلاف في الفترة الزمنية المأخوذة بعين الاعتبار، وصعوبة جمع سجلات دقيقة في خضم الحرب والدمار.
قتل، اغتصاب، نهب وإحراق

الجرائم الموثقة تضمنت:
- إعدامات جماعية لأسرى الحرب والمعتقلين ومجموعات من المدنيين (بعضها أمام مجاميع كبيرة كتحذير أو ترويع).
- اغتصاب جماعي ومنهجي لآلاف النساء والفتيات؛ شهود ومذكرات معاصرة تتحدث عن حالات اغتصاب ليلية متكررة في الشوارع والمنازل. التقديرات تختلف بالنسبة لعدد المغتصبات لكن معظم المصادر تتفق على أن الأعداد كانت ضخمة ولم تُحصَ بدقة آنذاك.
- نهب وسلب الممتلكات العامة والخاصة، وأحياناً إحراق مبانٍ وأحياء كاملة.
- تعذيب وإذلال ضحايا قبل قتلهم أحياناً، بما في ذلك قصص مروعة وردت في شهادات عدة شهود أجانب ومحاكمية لاحقة.
التركيز هنا ليس في استعراض وصفات دموية بقدر توثيق النمط المنهجي للفظائع: سلوك مؤسسي لبعض وحدات الجيش الذي سمح — أو غفل عن منعه — من قبل قيادات عليا.
الشهود والدبلوماسيون الأجانب: من أنقذ من استطاعوا؟
وجود مبشّرين وأجانب ودبلوماسيين في نانكينغ أنشأ ما سُمِّي “المنطقة الآمنة” حيث حاول هؤلاء حماية المدنيين وتوثيق الجرائم. أسماء مثل جون رابِه (رجل أعمال ألماني) وفرق من المبشرين الغربيين والدبلوماسيين لعبت دوراً في إنقاذ آلاف المدنيين عبر توفير مأوى وإثبات وجود انتهاكات وتحذير المجتمع الدولي لاحقاً. سجلاتهم، اليوم محفوطة في أرشيفات رقمية ومكتبات جامعية وتعد مصادر أساسية لفهم تفاصيل ما حصل.
المحاكمات والعدالة
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أقيمت سلسلة محاكمات لجرائم الحرب في آسيا (منها محكمة طوكيو: International Military Tribunal for the Far East). بعض كبار القادة اليابانيين اتهموا بتهم متعلقة بجرائم الحرب المرتكبة في الصين بما في ذلك أحداث نانكينغ. الأحكام أدانت عددًا من المسؤولين وثبتت أفعالاً تُعد جرائم حرب بموجب القانون الدولي آنذاك. بيد أن المساءلة لم تكن كاملة وشهدت أيضاً منازعات سياسية ودبلوماسية حول من يتحمل المسؤولية ومعيار المحاسبة. وثائق المحاكمات ومرافعاتها تُعد مصدراً قانونياً مهماً لإثبات وقوع انتهاكات خطيرة وانتهاك القواعد الإنسانية في الحرب.
مقال اخر “the father”لماذا يُعدّ فيلم “الأب” تحفة فنية تجمع بين التعاطف والألم
















