وُلد جون واين غيسي في 17 مارس 1942 بمدينة شيكاغو بولاية إلينوي. نشأ في عائلة متوسطة، وكان والده معروفًا بقسوته الشديدة وتعنيفه المتكرر لابنه، بينما كانت والدته تحاول حمايته من غضب والده. تركت هذه البيئة القاسية آثارًا نفسية عميقة في نفس جون، إذ كان يسعى دائماً لإثبات نفسه أمام الآخرين، خاصة أمام والده الذي لم يعترف به يوماً. في شبابه، حاول جيسي أن يبني لنفسه حياة ناجحة. التحق بالمدرسة، ثم عمل في مجالات مختلفة، وتميز بشخصية اجتماعية وكاريزمية جعلته محبوباً من قبل زملائه. تزوج عام 1964 من فتاة تُدعى “مارلين مايرز” وأنجب منها طفلين، كما تولى إدارة سلسلة مطاعم “KFC” التي كانت تملكها عائلة زوجته. بدا وكأنه يعيش حياة مستقرة ومزدهرة، لكن خلف هذه الواجهة اللامعة، كانت دوافعه المظلمة تنمو بصمت.
بداية الانحراف والسقوط

في عام 1968، تم القبض على جيسي لأول مرة بتهمة الاعتداء الجنسي على مراهق يبلغ من العمر 15 عامًا. تم الحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات في ولاية أيوا، لكنه قضى فقط 18 شهرًا قبل أن يُطلق سراحه لحسن سلوكه. بعد خروجه من السجن، حاول بناء حياة جديدة في شيكاغو، لكن انحرافه النفسي والجنسي لم يتوقف. انتقل إلى منزل جديد في ضاحية نورود بارك (Norwood Park)، وهناك بدأ الفصل الأخطر من حياته. أصبح معروفاً في منطقته كشخص ودود وناجح، يشارك في الأنشطة الاجتماعية ويقيم حفلات للأطفال مرتدياً زي مهرج تحت اسم “بوغو المهرج” (Pogo the Clown). كان يظهر في المستشفيات والمهرجانات الخيرية، وهو ما جعل الناس يثقون به، دون أن يدركوا أن هذا “المهرج” يخفي وراء ابتسامته واحدة من أكثر الشخصيات إجراماً في التاريخ الأمريكي.
طريقة عمل جون واين غيسي وأساليبه الإجرامية

من عام 1972 إلى 1978، استغل جيسي مظهره الموثوق وشخصيته الجذابة لاستدراج ضحاياه، الذين كانوا في الغالب مراهقين وشباباً يبحثون عن عمل أو يمرون بضائقة مالية. كان يعرض عليهم وظائف في شركته للبناء، ثم يصطحبهم إلى منزله، حيث يبدأ الجحيم الحقيقي. كان جيسي يستخدم الخداع والسحر والمخدرات للسيطرة على ضحاياه، ثم يقوم بتكبيلهم وتعذيبهم بطرق وحشية. بعض الضحايا تعرضوا للاغتصاب، ثم الخنق حتى الموت باستخدام حبل أو عصا خشبية. بعد ذلك، كان يدفن جثثهم تحت منزله، في مساحة ضيقة أسفل الأرض تُعرف باسم الزحف السفلي (Crawl Space)، بينما كان يتخلص من جثث أخرى في نهر قريب عندما امتلأ المكان بالجثث.
اكتشاف الجرائم والقبض عليه

بدأت الشرطة في ملاحظة اختفاء عدد من المراهقين في منطقة شيكاغو دون أي أثر، لكن لم يتم الربط بينهم في البداية. ومع اختفاء شاب يدعى روبرت بيست (Robert Piest) في ديسمبر عام 1978، بدأت خيوط القضية تتضح. كان آخر من شوهد معه هو جون واين جيسي، الذي ادعى أنه لم يقابله مطلقاً. ومع ذلك، أدت التحقيقات اللاحقة إلى مداهمة منزله بعد الحصول على إذن تفتيش. ما وجدته الشرطة كان يفوق كل تصور: جثث مدفونة في قبو المنزل، رائحة كريهة تنبعث من الأرضيات، وأدلة دامغة تثبت تورطه في عشرات الجرائم. بعد أيام من التحقيق، انهار جيسي واعترف بقتل 33 شابًا بين عامي 1972 و1978. تم استخراج الجثث واحدة تلو الأخرى من تحت منزله في مشهد صادم نقلته وسائل الإعلام للعالم أجمع، وأطلق عليه الصحفيون حينها لقب “بيت الرعب” (House of Horrors).
التحقيق والمحاكمة
خلال محاكمته عام 1980، حاول الدفاع تبرير أفعاله بأنه كان يعاني من اضطراب عقلي وانفصام في الشخصية، لكن فريق الادعاء قدم أدلة قاطعة على أنه كان يدرك تماماً ما يفعله. تمت إدانته بـ 33 جريمة قتل من الدرجة الأولى، وهي واحدة من أكبر حصائل القتل التي ارتكبها قاتل متسلسل في تاريخ الولايات المتحدة. وصدر بحقه حكم بالإعدام. طوال سنوات سجنه، كان جيسي يحاول تصوير نفسه كضحية لظروفه أو كمنفصل عن الواقع، حتى أنه رسم العديد من اللوحات لنفسه بزي المهرج، وكانت تباع في المزادات، مما أثار جدلاً وغضباً واسعاً لدى عائلات الضحايا. وفي 10 مايو 1994، تم تنفيذ حكم الإعدام بحقه بالحقنة المميتة في سجن ولاية إلينوي، لتنتهي حياة أحد أكثر القتلة إثارة للرعب في التاريخ الأمريكي.
ضحايا جون واين غيسي وأسماؤهم المنسية
على الرغم من شهرة جيسي، إلا أن التركيز الإعلامي الكبير عليه جعل ضحاياه يُنسَون تدريجياً. من بين الضحايا الذين تم التعرف عليهم: تيموثي أوكونور، جون بوتكوفيتش، ويليام بوندينغ، روبرت بيست، وغيرهم من الشباب الذين كانت أحلامهم في بداياتها قبل أن يضع حدًا لها هذا الوحش البشري. حتى اليوم، لا يزال بعض الضحايا مجهولي الهوية، رغم جهود الطب الشرعي الحديث لتحديدهم عبر تحليل الحمض النووي (DNA).
اقرا ايضا فضيحة إنرون (Enron) 2001: انهيار عملاق الطاقة الأمريكي والاحتيال المالي
















