في بداية يناير اي الشهر الماضي فقط قتلت طفلة صغيرة عمرها 11 في مدينة انتورب البلجيكية وبالضبط في الضواحي الشمالية ، قتلت الطفلة الصغيرة بأبشع طريقة قد تتخيلها , مرت عصابة أمام منزلها وأمطروا المنزل برشاش الكلاشينكوف لتخترق خمس رصاصات جسدها الصغير , بعد تعميق البحث تم اكتشاف ان هذه الطفلة هي ابنة شقيق احد كبار بارونات المخدرات في بلجيكا اسمه عثمان البلوطي ، والعملية كانت عبارة عن انتقام من احد العصابات ورسالة تحذير له ولعائلته . تقول بلجيكا أن البلوطي يدير عملية تهريب ضخمة للكوكايين عبر ميناء أنتويرب قادمة من دبي ، في حين دبي كانت مترددة في اعتقال وتسليم المشتبه بهم البلجيكيين في هذه العملية الضخمة

الغريب والمثير للريبة أنه قبل ساعات قليلة من عملية القتل هذه . قامت السلطات البلجيكية باعلان عن رقم قياسي صادم قبل , حيث أعلنت أنه في سنة 2022 بلغت صادرات المخدرات وبالضبط الكوكايين ما يقرب من 110 أطنان من ميناء أنتويرب ، وهذا الرقم تجاوز القم القياسي السابق في سنة 2021 الذي بلغ 90 طناً ، ليبدو الامر وكأنه دبر ومخطط من العصابة التي قامت بالعملية الاجرامية
جوريس فان دير آا هو أحد كبار مراسلي الجرائم في جازيت فان أنتويرب يقول : “ الجميع متزوجون ، من الصعب قتل شخص متزوج من ابن عمك ، وسيكون لذلك تداعيات في كل من أنتويرب والمغرب ، بدلا من ذلك ، يطلقون النار على المباني ويفجرون القنابل الصغيرة – إنه نمط من الضغط والمضايقات . اجعل عائلة خصمك بائسة لدرجة أنهم يضطرون إلى إعادة الكوكايين المسروق أو أي شيء بدأ الصراع.
تعتبر الان بلجيكا حرفيا هي كولومبيا اوروبا مركز توريد وتصدير المخدرات نحو كل ارجاء اوروبا واهم الصادرات هي الكوكايين , بالرغم من أن جرائم القتل نوعا ما نادرة في بلجيكا الا انه سنة 2020 قتل 1150 شخص وتقريبا كلهم ماتو في خضم الحرب القائمة بين العصابات في بلجيكا وأغلب هذه الجرائم كانت بأسلحة نارية مسدسات وبنادق

. ولا يقتصر الامر الهجمات بالمسدسات بل قالت الشرطة إن أكثر من 50 تفجيرا بقنابل يدوية عسكرية وهجوما بالأسلحة النارية تم على مبان منذ صيف 2022 كلها مرتبطة بمهربين المخدرات الكبار .
في مبنى جمركي في ميناء الحاويات العملاق على مشارف مدينة أنتويرب ، هناك تعمل احدى الموظفات واسمها فلورنس أنجيليتشي ، تقوم بفحص صور الأشعة السينية على جهاز كمبيوتر محمول , أنجليتشي تشارك مع بقية زملائها في لعبة القط والفأر هذه والمستمرة منذ سنوات قليلة وتقول بأنها مصدومة من براعة وذكاء المهربين في أخفاء المخدرات في أماكن لا تخطر على بال . حيث يقوم المهربون بشراء حقائب رياضية من الشارع لا يبلغ ثمنها اكثر من 10 ل20 دولار , يقومون بملئها بما يقارب المليون دولار من الكوكايين , اي مكان تتخيله هو مكان صالح للمهربين , مثلا يتم حقن الكوكايين في داخل حبة الأناناس أو أي فاكهة أخرى على الموز والافوكادو . القوارب التي تبحر من أمريكا الجنوبية وتحديدا كولومبيا ، يقوم المهربون بوضع المخدرات في وسط ألواح من الخشب الصلب أو حتى داخل الدعامات المعدنية للحاويات نفسها , تقول فلورنس أن هؤلاء المجانين يمكنهم وضع الكوكايين في أي شيء , من ألالعاب جنسية ، لطعام للكلاب … حتى أنهم ينقعونها في القمصان ثم يعصرون القمصان لاحقا عندما تصل لبر الامان ، ومن بين نسبة الادوية التي يتم التصريح بها في الميناء تخيل أن 10 في المائة فقط هي فعلا أدوية في حين أن 90. في المئة المتبقية كلها مخدرات .
وتشحن في الغالب عبر بنما أو الإكوادور أو باراغواي. ,لدرجة أن بارت دي ويفر ، عمدة مدينة أنتوريب ، قام بزيارة كولومبيا في فبراير سنة 2022 في مهمة لتقصي الحقائق . وكان برفقته المغربي أحمد أبو طالب ، عمدة مدينة روتردام.

في سبتمبر 2022 اي قبل اشهر قليلة من الان أعلن اليوروبول ، وهي وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال إنفاذ القانون ، نجاح عملية سميت ضوء الصحراء أو Desert Light حيث اعتقل في هذه العملية الضخمة 49 شخصًا في دبي وهولندا وإسبانيا وبلجيكا وفرنسا يشتبه في انتمائهم إلى “سوبر كارتل “. المسؤول عن تهريب ثلث الكوكايين إلى أوروبا . وكان أخطر الرؤوس الذين تم اعتقالهم ستة كانو في حفل زفاف في دبي في ماي 2017 , الأول الاول هو دانيال كيناهان ، 45 عامًا ، وهو إيرلندي ، مهرب مخدرات وتاجر سلاح مطلوب من قبل السلطات الأمريكية بمكافأة قدرها 5 ملايين دولار , الثاني هو إدين جاكانين ، الملقب بـ “تيتو” ، البوسني الاصل , الثالث هو زهير بي مغربي هولندي يبلغ من العمر 37 عامًا ، والذي قام بتهريب ثلاثة أطنان من الكوكايين إلى هولندا ، بقيمة تزيد عن 150 مليون يورو . الرابع هو رافاييل إمبريال ، عمره 28 سنة ، يشبه أنه رئيسً مافيا الكامورا الإيطالية ، وكان قد اعتقل من قبل في 2016 بعدما اكتشفت الشرطة الإيطالية لوحتين لفان جوخ مخبأتين في حمام فيلا يملكها بالقرب من نابولي كانت قد سُرقت قبل 14 عامًا من متحف فان جوخ في أمستردام. الخامس هو رضوان تاغي عمره 44 عاماً ، الهولندي مغربي ، اعتقل في دبي عام 2019 بتهمة الاعداد لقتل ستة من شركائه . وخمسة عشر عضوًا آخر في أخطر مافيا هولندية مغربية الاصل وهي Mocro Maffia -والتي يقال بأنها تتحكم سرا في الكثير من قرارات الحكومة الهولندية , ,واولئك الاعضاء الخمسة عشر هم زملائه المتهمين في محاكمة مارينغو ، والتي تعتبر أكبر محاكمة في تاريخ القانون الهولندي ، ويشتبه في تورطه لاختطاف وريثة العرش الهولندي الأميرة أماليا ذات 19 سنة

تخيل معي أن العصابات لا تمتلك حدود حين يتم تهديد مصالحها حيث أنه في سبتمبر 2022 فنسنت فان كويكنبورن ، وزير العدل البلجيكي ، هرب مع عائلته من منزله في كورتريك وأختبأ هو وعائلته في ملجأ مؤقت بعد تلقيه تهديد بالخطف من قبل أعضاء مافيا المخدرات الهولندية لاختطافهم
طبعا بعد ضبط المخدرات ما هي الخطوة التالية للسلطات طبعا تقوم بحرقها , ولكن لكي أعطيك صورة أوضح تخيل معي أن كمية المخدرات التي تم ضبطها في ميناء أنتويرب في بلجيكا كبيرة جدًا لدرجة أن المحارق المستخدمة لحرق المخدرات لا تستطيع استيعابها ، قالت نيوريوك تايمز في أحد تقاريرها والتي بالمناسبة اعتمدت عليه في كتابة هذه الحلقة أن المثير للسخرية أنك لو دخلت الى تلك المحارق ستجد “جبل من كوكايين” يمكن بيعه بمئات الملايين من الجنيهات الاسترلينية مكدسة داخل مستودعات آمنة. ولو قام موض واحد في ذلك المستودع باخذ كيلوغرام واحد فقط ستتغير حياته للأبد
اقترح رئيس دائرة الجمارك البلجيكية أن 40 في المائة على الأقل من واردات الكوكايين في أوروبا تمر عبر أنتويرب والموانئ الأخرى المجاورة .
جوريس فان دير آا ، يقول بإن العصابات المغربية وبالتحديد من الريف المغربي هي التي تسيطر على الميناء وتسيطر على تهريب الكوكايين , ومن المعروف أن غالبية الجالية المغربية الموجودة في بلجيكا وهولندا بالتحديد هي من الريف الحسيمة والناضور تحديدا ,

عمليات الانتقام والقتل تتجاوز الحدود ففي مثلا وفي مدينة مراكش المغربية , على متن دراجة نارية وقف أحد الملثمين أمام مقهى وأشهر مسدسه الكاتم للصور ليطلق النار على شاب أصابه بطقة في الرأس , بعد البحث المعمق من السلطات المغربية اكتشفت بأن العملية لم تكن تستهدف ذلك الشاب وانما المستهدف هو صاحب المطعم نفسه لأنه كان جالسا في نفس المكان الذي كان يجلس به صاحب المقهى دقائق فقط قبل ان يغادره ، فاعتقد المهاجمون أنه الشخص المقصود، فأطلقوا عليه النار ، قالت السلطات أن صاحب المقهى كان يعيش في هولندا وله ارتباطات بشبكة دولية لتبييض الأموال والاتجار في المخدرات .
شهدت أنتويرب ارتفاعًا هائلاً في تجارة الكوكايين منذ عام 2012 حيث بدأت الكارتلات المغربية في السيطرة على التجارة القذرة في شمال أوروبا حيث أن أنتويرب أكبر ميناء في أوروبا وثاني أكثر الموانئ ازدحامًا من حيث الشحن .

يقوم رؤساء العصابات بنشر أذرعهم في المدينة كالاخطبوط ويعملون بطرق ذكية جدا , حيث يقوم أعضاء العصابة بالتقرب من العمال القادمين من وردياتهم في موقف السيارات قاصدين الحانات حيث يقضون هناك وقتًا طويلاً ، يحل أعضاء العصابة ويستمعون جيدا إلى محادثاتهم . يحللون جيدا كلامهم , فهم يبحثون عن الأشخاص المستضعفين ، الأشخاص الذين يعانون من مشاكل مالية . الاشخاص الذين لديهم الجرأة للمخاطرة بسبب الفقر , فماذا يفعلون يقصدون ذلك الشخص بكل لطف ويقولون له : “هل ترغب في كسب القليل من المال الإضافي؟ قد يستغرق الأمر 30 ثانية فقط وسأمنحك 50000 يورو وسيتضاعف المبلغ مع الموقت اكثر “. هذ العرض مغري لذلك الشخص المسكين أكثر من مشاهدة فتاة لابسه من غير هدوم و المهم هو يعلم أنه لن يكسب هذا المبلغ حتى لو بقي يعمل ل عشرين سنة , فيجب بدون تردد نعم اقبل , وهكذا يتم صيد الفرائس التي يتم وضعها في الصفوف الامامية لحرب المخدرات , يقوم الاعلام البلجيكي والهولندي بحملات تحسيس وتوعية شديدة
ولكن تبقى العصابات صاحبة العرض المغري الذي لا يقاومه أي أحد , الامر لا يقتصر على الموضفين المساكين بل يصل الامر لشراء رجال الشرطة ايضا , لكن البعض قد يقول لماذا بالضبط هولندا وبلجيكا ما السبب و في أحد الصور التي نشرتها في حسابي على انسنتقرام داخل متحف فان كور بامستردام هولندا سألتكم ماذا تعرفون عن هولندا البعض قال الجبن والبعض قال البقر ولكن الغالبية أجمعوا على شئ واحد وهو المخدرات , نعم هولندا قننت بيع المخدرات في البلد , ويمكنك شرائه واستهلاكها بدون أن يلمسك اي أحد .

أحد خبراء المخدرات اسمه فويتن ، يقول في مقال على نيوريوك تايمز أن أكبر سبب لمشكلة تعاظم معضلة المخدرات في بلجيكا وهولندا هي سياسة “الفصام” التي اتبعتها هولندا على مدار العقود الماضية تجاه الماريجوانا ، حيث أنه في هولندا غير قانوني انتاج الماريوانا ولكن شراءه قانونيً .
مثل قانون الفصام التي لدينا في المغرب انتاج الخمور مسموح ولكن شرائها ممنوع
هذا الفصام حسب الخبراء الهولنديين اعطى نتيجة عكسية وغير متوقعة , كانت النتيجة هي ظهور شركات ضخمة للتجارة في مخدرات اخرى لم تضرب لها الدولة اي حساب وهي الكوكايين و الكريستال ميث ، حيث يعتبر الهولنديون الان من أكبر مستهلكي المخدرات في أوروبا ، وحتى السياحة الهولندية في جزء كبير منها قائم على قانون السماح ببيع الماريوانا فياتي الناس من كل بقاع العالم

وقال فويتن : “لديهم هذه الطريقة السحرية في التفكير بأنه إذا شرعت المخدرات فلن تكون هناك أية جريمة”. “ولكن إذا جعلت مخدرًا ما قانونيًا ، فإن العصابات تنتقل إلى مادة أخرى .” وهناك اشارات على ان ألمانيا تتبع هولندا الآن في نفس المسار.
ستقول لي وما علاقة هولندا , الموضوع عن بلجيكا , نعم صحيح لكن لو شاهدت الخريطة كل من هولندا وبلجيكا دولتين صغيرتين جدا ولو وضعناهم على الخريطة سيعطينا مدينتين مغربيتين فقط ,

وايضا لا يوجد حدود بمعنى الحدود بين الدولتين اضافة الى ان الحشيش الترفيهي غير قانوني في بلجيكا ، ولكنه قانوني في هولندا لذلك فالمسالة ان الواحدة تكمل الاخرة بلجيكا لديها الميناء وهولندا لها القانون , وعليه فهي تعتبر بمثابة الحديقة الامنة والمثالية لمروجي المخدرات البلجيكيين
في السنوات الأخيرة ، وبعد الضغط الشديد على بلجيكا تم تشديد الإجراءات الأمنية في ميناء انتوريب ، قامت الحكومة البلجيكية بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي ، للمساعدة في الكشف عن عمليات التهريب . لدرجة ان السلطات البلجيكية تدرس استخدام “أنوف” إلكترونية – وهي تقنية قادرة على شم أصغر كميات الكوكايين في الهواء داخل الحاويات.