صعود نتفلكس من شركة صغيرة لتأجير أقراص DVD إلى عملاق البث العالمي هو أحد أبرز قصص النجاح في تاريخ الأعمال الحديث. لم تقم الشركة فقط بإحداث ثورة في طريقة مشاهدتنا للأفلام والمسلسلات، بل غيّرت صناعة الترفيه بأكملها، مما أجبر عمالقة الإعلام التقليديين على التكيّف أو مواجهة خطر الانقراض. هذه هي القصة التفصيلية وراء الكواليس لكيفية تحقيق نتفلكس هيمنتها، والقرارات الرئيسية التي شكّلت مسارها، والتحديات التي واجهتها على طول الطريق.
البدايات المتواضعة: نتفلكس كشركة لتأجير أقراص DVD

تأسست نتفلكس عام 1997 على يد ريد هاستينغز ومارك راندولف، وهما رجلان أعمال رأيا فرصة في سوق أقراص DVD الناشئ. في ذلك الوقت، كانت أقراص DVD تقنية جديدة حلت محل أشرطة VHS بسبب جودتها الفائقة ومتانتها. زعم هاستينغز لاحقًا أن فكرة نتفلكس جاءته بعد أن فرضت عليه رسوم تأخير بقيمة 40 دولارًا لإرجاع نسخة مستأجرة من فيلم أبولو 13 إلى متجر بلوكباستر. بسبب إحباطه من الرسوم المتأخرة القاسية في متاجر تأجير الفيديو التقليدية، تصور نموذجًا أكثر ملاءمة للعملاء.
كانت خدمة نتفلكس الأصلية عبارة عن خدمة تأجير أقراص DVD عبر البريد. يمكن للعملاء تصفح الكتالوج عبر الإنترنت، وطلب الأقراص، واستلامها في مغلفات حمراء عبر البريد الأمريكي. على عكس بلوكباستر، لم تفرض نتفلكس رسوم تأخير، بل قدمت نموذج اشتراك يمكن المستخدمين من استئجار عدد غير محدود من الأقراص مقابل رسوم شهرية ثابتة، مع تحديد عدد الأقراص التي يمكن استئجارها في وقت واحد. كان هذا تغييرًا جذريًا في صناعة كانت تعتمد على الدفع لكل استئجار.
التحول إلى الاشتراك والمعركة مع بلوكباستر

في عام 1999، قدمت نتفلكس خدمة الاشتراك، مما سمح للمستخدمين باستئجار عدد غير محدود من أقراص DVD مقابل رسوم شهرية. كانت هذه خطوة محفوفة بالمخاطر، حيث اعتاد معظم الناس على الدفع لكل استئجار، وبدت فكرة الوصول غير المحدود جيدة جدًا لدرجة يصعب تصديقها. لكن النهج القائم على البيانات الذي اتبعته نتفلكس ساعد في تحسين النموذج. أدركوا أن معظم العملاء لم يستأجروا عددًا كافيًا من الأقراص لجعل الخدمة غير مربحة، وعامل الراحة جعلهم يستمرون في الاشتراك.
في غضون ذلك، استهان بلوكباستر، عملاق تأجير الفيديو المسيطر، بنتفلكس واعتبره عملًا تجاريًا هامشيًا. في إحدى المراحل، عرضت نتفلكس بيع نفسها لبلوكباستر مقابل 50 مليون دولار، لكن مسؤولي بلوكباستر سخر منهم ورفضوا العرض. أصبح هذا القرار لاحقًا يُنظر إليه على أنه أحد أكبر الأخطاء التجارية في التاريخ.
بحلول أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت نتفلكس تنمو بثبات، لكن النقطة الفاصلة الحقيقية جاءت مع ظهور الإنترنت عالي السرعة. أدرك هاستينغز، دائمًا ذو التفكير المستقبلي، أن أقراص DVD المادية ستصبح في النهاية قديمة. بدأ في الاستثمار في تقنية البث، حتى عندما شكك العديد من المحللين في إمكانية دعم سرعات الإنترنت لبث الفيديو عالي الجودة.
المحتوى الأصلي وصعود مسلسل “House of Cards”

في عام 2013، قامت نتفلكس بمغامرة كبيرة بإصدار House of Cards، أول مسلسل أصلي رئيسي لها. كان المسلسل، الذي بطله كيفن سبيسي وأخرجه ديفيد فينشر، دراما سياسية ذات ميزانية عالية تجاوزت شبكات التلفزيون التقليدية تمامًا. استخدمت نتفلكس تحليلات البيانات لتحديد أن المسلسل السياسي المليء بالنجوم سيجد صدى لدى جمهورها، وكانت محقة.
حققت House of Cards نجاحًا كبيرًا، مما أثبت أن منصات البث يمكنها إنتاج محتوى مميز ينافس HBO والتلفزيون الشبكي. والأهم من ذلك، أظهرت أن نتفلكس لا تحتاج إلى الاعتماد على استوديوهات هوليوود، بل يمكنها إنشاء نجاحاتها الخاصة.
أدى ذلك إلى موجة من البرمجة الأصلية، بما في ذلك Orange Is the New Black وStranger Things وThe Crown. كانت استراتيجية نتفلكس هي الإنفاق بكثافة على المحتوى، مع الرهان على أن المحتوى الحصري عالي الجودة سيجذب المشتركين ويحافظ عليهم.
التوسع العالمي وثورة إلغاء الاشتراكات التلفزيونية
بحلول منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كانت الشركة تتوسع عالميًا، حيث أطلقت خدماتها في أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا. واجهت الشركة تحديات، حيث كانت لدى البلدان المختلفة تفضيلات محتوى وقوانين ترخيص وبنى تحتية للإنترنت متنوعة. لكن نتفلكس تكيّفت، واستثمرت في إنتاجات محلية مثل La Casa de Papel (إسبانيا) وSacred Games (الهند) وDark (ألمانيا).
في الوقت نفسه، كان تلفزيون الكابل التقليدي في تراجع. أدى صعود ظاهرة “إلغاء الاشتراكات التلفزيونية” (إلغاء اشتراكات الكابل لصالح البث المباشر) إلى تسريع نمو نتفلكس. ارتفعت أسهم الشركة، وسارعت منافسات مثل أمازون برايم فيديو وهولو إلى اللحاق بالركب.
حروب البث المباشر وهيمنة نتفلكس
بحلول عام 2020، كانت كل شركة إعلامية كبرى قد أطلقت خدمة بث خاصة بها، مثل Disney+ وHBO Max وPeacock وParamount+. بدأت “حروب البث المباشر”، مع إنفاق مليارات الدولارات على المحتوى والحقوق الحصرية.
ومع ذلك، ظلت نتفلكس القائدة. منحتها استثماراتها المبكرة في التكنولوجيا وتحليلات البيانات والمحتوى الأصلي سبقًا كبيرًا. كما أتقنت الشركة خوارزمية التوصيات الخاصة بها، مما أبقى المستخدمين منخرطين من خلال اقتراح محتوى مخصص.
على الرغم من المنافسة المتزايدة، واصلت نتفلكس نموها، متجاوزة 200 مليون مشترك حول العالم. أثبتت قدرتها على التكيف (من أقراص DVD إلى البث المباشر، ومن المحتوى المرخص إلى المحتوى الأصلي) مرونتها.
اقرا ايضا قصة القاتل ديفيد بيركويتز