ديفيد بيركويتز، المعروف باسم “ابن سام”، كان أحد أشهر القتلة المتسلسلين في أمريكا، حيث أرعب مدينة نيويورك في منتصف سبعينيات القرن العشرين. خلفت جرائمه ستة قتلى وسبعة مصابين، مما أشاع الذعر في المدينة. تحولت القضية إلى حدث إعلامي ضخم، ليس فقط بسبب وحشية الجرائم، ولكن بسبب الرسائل الغريبة التي كان يرسلها بيركويتز إلى الشرطة والصحافة، مدعياً أنه ينفذ أوامر كلب مسكون بالشياطين. هذه هي القصة الكاملة لديفيد بيركويتز—طفولته المضطربة، انحداره إلى الجنون، جرائم القتل، الحملة الضخمة للقبض عليه، وأخيراً اعتقاله وسجنه.
قصة ديفيد بيركويتز

وُلد ديفيد ريتشارد بيركويتز، الذي كان اسمه عند الولادة ريتشارد ديفيد فالكو، في 1 يونيو 1953 في بروكلين بنيويورك. كانت والدته، إليزابيث “بيتي” برودر، متزوجة من توني فالكو، لكنها أقامت علاقة غرامية مع رجل متزوج يُدعى جوزيف كلاينمان، مما أدى إلى ولادة بيركويتز. غير قادرة على رعايته، سلمته والدته للتبني بعد أيام قليلة. تبناه بيرل وناثان بيركويتز، وهما زوجان يهوديان من الطبقة المتوسطة في برونكس، وغيروا اسمه إلى ديفيد ريتشارد بيركويتز.
بحسب معظم الروايات، كانت طفولة بيركويتز المبكرة طبيعية نسبياً. كان والداه بالتبني محبين، لكنه عانى من مشاعر الهجر بعد أن علم أنه مُتبنى. تفاقم هذا الشعور مع تقدمه في العمر. كان انطوائياً في المدرسة، وغالباً ما كان يتعرض للتنمر بسبب غرابة أطواره. توفيت والدته بالتبني، بيرل، بسرطان الثدي عندما كان في الرابعة عشرة من عمره، وهو فقدان أثر فيه بعمق. وتدهورت علاقته بوالده بالتبني بعد ذلك، وأصبح بيركويتز أكثر عزلة.
بعد المدرسة الثانوية، انضم إلى الجيش الأمريكي في عام 1971، حيث خدم لمدة ثلاث سنوات قبل أن يُسرح بشرف. لكن فترة خدمته العسكرية لم تمنحه الاستقرار الذي يحتاجه؛ بل أصبح أكثر انطواءً. وادعى لاحقاً أنه بدأ خلال هذه الفترة يسمع أصواتاً يعتقد أنها قوى شيطانية تأمره بارتكاب الجرائم.
الانحدار إلى الجنون: صنع قاتل

بعد مغادرته الجيش، تنقل بيركويتز بين وظائف عشوائية، ولم يبقَ في مكان واحد لفترة طويلة. أصبح مهووساً بالخوارق، وتعمق في عبادة الشيطان، وطور أوهاماً بأنه كان تحت سيطرة قوى شريرة. وفي الرسائل التي كتبها لاحقاً، ادعى أن كلباً أسوداً لجاره يُدعى “هارفي” كان مسكوناً بشيطان اسمه “سام” يأمره بالقتل.
ما إذا كانت هذه الادعاءات نابعة من اضطراب نفسي حقيقي أو مجرد محاولة للتظاهر بالجنون لا يزال محل جدل. لكن المؤكد أنه بحلول عام 1976، كان بيركويتز قد استسلم تماماً لنزواته العنيفة. بدأ بإشعال الحرائق في حيه—اعترف لاحقاً بأنه أشعل أكثر من 1400 حريق—وهي سلوكيات شائعة بين القتلة المتسلسلين كطريقة لإفراغ غضبهم. لكن ذلك لم يكن كافياً بالنسبة له.
بداية جرائم القتل بعيار .44

أول حادثة إطلاق نار معروفة لبيركويتز وقعت في ليلة عيد الميلاد عام 1975، لكنها لم تتناسب مع نمطه اللاحق. حيث طعن امرأتين شابتين في برونكس، لكنهما نجتا، ولم يتم الربط بينه وبين الهجوم في البداية. لكن مسيرته الدموية الحقيقية بدأت في العام التالي.
في 29 يوليو 1976، كانت دونا لوريا (18 عاماً) وصديقتها جودي فالنتي جالستين في سيارة في برونكس عندما اقترب منهما رجل وأطلق خمس رصاصات على السيارة. قُتلت لوريا على الفور، بينما نجا فالنتي بجرح في فخذها. اختفى القاتل في الليل.
كان الهجوم عشوائياً، دون دافع واضح. ولم يكن لدى الشرطة أي أدلة قوية—لا مشتبه به، ولا صلة واضحة بين الجاني والضحايا. ثم في 23 أكتوبر 1976، ضرب بيركويتز مرة أخرى. كان كارل دينارو وروزماري كينان متوقفين بسيارتهما في كوينز عندما أطلق مسلح النار عبر النافذة. أُصيب دينارو في رأسه لكنه نجا بأعجوبة، بينما لم يصب كينان بأذى.
وبعد شهر، في 26 نوفمبر، أُصيبت دونا دي ماسي (16 عاماً) وجوان لومينو (18 عاماً) بالرصاص أثناء عودتهما إلى المنزل في كوينز. أصيبت لومينو بشلل من الخصر إلى الأسفل، بينما نجا دي ماسي بإصابات خطيرة.
رسائل “ابن سام” والهستيريا الإعلامية

كانت الشرطة في حاجة ماسة لأي أدلة. ثم في 17 أبريل 1977، وصلت رسالة إلى مكتب الكاتب الصحفي جيمي بريسلين في صحيفة نيويورك ديلي نيوز. كانت مكتوبة بخط غير منظم:
“أنا متألم جداً لأنك تسميني كارهًا للنساء. أنا لست كذلك. لكني وحش. أنا ‘ابن سام’. أنا طفل صغير.”
كانت الرسالة موقعة برسم شيطان—شوكة الشيطان. وادعى الكاتب مسؤوليته عن عمليات إطلاق النار وسخر من الشرطة، ووعد بالمزيد من القتل. انفجرت وسائل الإعلام. وأصبح اسم “ابن سام” مرادفاً للرعب.
كشف بيركويتز لاحقاً أن “سام” كان الشيطان الذي يعتقد أنه مسكن كلب جاره. سواء كان يعتقد ذلك حقاً أو كان يختلق شخصية، فإن الرسائل زادت من الهستيريا الجماعية. كان سكان نيويورك، وخاصة الشابات ذوات الشعر البني الطويل (اللواتي كان يستهدفهن)، في حالة رعب.
الهجمات الأخيرة والاعتقال

على الرغم من الحملة الكبيرة للقبض عليه، ضرب بيركويتز مرة أخرى. في 17 أبريل 1977، قُتلت فالنتينا سورياني وألكسندر إيساو بالرصاص في سيارتهما في برونكس. وُجدت رسالة أخرى في مكان الحادثة، تتباهى بالجرائم.
وجاء هجومه الأخير في 31 يوليو 1977. كانت ستايسي موسكويتز وصديقها روبرت فيولانتي متوقفين بسيارتهما في بروكلين عندما أطلق بيركويتز النار عليهما. قُتلت موسكويتز، بينما نجا فيولانتي لكنه فقد بصره.
لكن هذه المرة، ارتكب بيركويتز خطأً فادحاً. شاهد أحد المارة رجلاً بالقرب من مكان الحادثة ولاحظ وجود مخالفة وقوف على سيارة قريبة. تتبعت الشرطة المخالفة إلى عنوان بيركويتز في يونكرز.
في 10 أغسطس 1977، نصب رجال الشرطة كميناً خارج شقته. وعندما خرج بيركويتز إلى سيارته، حاملاً مسدسه من عيار .44، ألقوا القبض عليه دون مقاومة. كانت كلماته الأولى للشرطة: “حسناً، لقد أمسكتم بي.”
الحياة في السجن وادعاءات لاحقة
في السجن، أصبح بيركويتز مسيحياً مولوداً من جديد، وتبرأ من جرائمه السابقة. وأكد أنه تصرف بمفرده، متناقضاً مع نظريات المؤامرة التي زعمت أنه كان جزءاً من عبادة شيطانية. ولا يزال بعض الباحثين يشككون في وجود شركاء له، لكن لا توجد أدلة تثبت ذلك.
الآن، في سبعينياته، لا يزال بيركويتز مسجوناً في سجن شوانغانك في نيويورك. رُفض الإفراج عنه المشروط عدة مرات، ومن المرجح أن يموت في السجن.