لم يكن إسحاق نيوتن مجرد عالم، بل كان مفكراً ثورياً غيّرت أفكاره فهمنا للكون. وُلد في عالم لا يزال غارقاً في الخرافات القرون الوسطى، لكن فضوله الذي لا يعرف الحدود وعقله الفذ وضعا أسس الفيزياء والرياضيات والفلك الحديثة. كانت حياته مزيجاً من العبقرية والهوس والصعوبات الشخصية—قصة تبقى مذهلة حتى اليوم بعد أكثر من ثلاثة قرون.
السنوات التكوينية لإسحاق نيوتن (1643–1661)

وُلد إسحاق نيوتن قبل أوانه في 4 يناير 1643 (25 ديسمبر 1642 حسب التقويم اليولياني المستخدم آنذاك) في قرية وولستروب الصغيرة بمقاطعة لينكولنشاير في إنجلترا. توفي والده، الذي كان يحمل الاسم نفسه، قبل ثلاثة أشهر من ولادته، تاركاً والدته، هانا آيسكوف نيوتن، لتربيه وحيدة. عندما بلغ نيوتن الثالثة من عمره، تزوجت والدته من رجل دين ثري يُدعى بارناباس سميث وانتقلت للعيش معه، تاركة الصغير إسحاق في رعاية جدته. ترك هذا الهجر جرحاً عميقاً في نفس نيوتن، حيث اعترف في كتاباته الخاصة بمشاعر الاستياء تجاه والدته وزوج أمه.
أظهر نيوتن موهبة مبكرة في الميكانيكا خلال طفولته. صنع نماذج معقدة، منها طاحونة هواء عملاقة وساعة مائية صغيرة. لكنه لم يكن طالباً مميزاً في البداية. سحبتْه والدته من المدرسة في سن 12 ليعمل في الزراعة، آمِلةً أن يصبح مزارعاً. لكن نيوتن كان مزارعاً فاشلاً—كان يفضل القراءة تحت الأشجار على رعاية الأغنام. بعد أن لاحظ عمه نبوغه، أقنع والدته بإعادته إلى المدرسة. في 1661، التحق نيوتن بكلية ترينيتي في كامبريدج بعمر 18 عاماً، حيث بدأت رحلته الفكرية الحقيقية.
كامبريدج وعام المعجزات (1661–1666)

في كامبريدج، درس نيوتن في البداية المنهج التقليدي لفلسفة أرسطو، لكنه سرعان ما انجذب إلى أعمال مفكرين حديثين مثل ديكارت وغاليليو وكيبلر. كانت الجامعة لا تزال متأثرة بالفكر المدرسي القرون وسطوي، لكن عقل نيوتن انجذب نحو الثورة العلمية الناشئة. عندما أجبر الطاعون العظيم في لندن كامبريدج على الإغلاق في 1665، عاد نيوتن إلى وولستروب لمدة عامين—وهي الفترة المعروفة الآن باسم “عام المعجزات” (annus mirabilis)، رغم أنها امتدت لـ18 شهراً.
خلال هذه الفترة، توصل نيوتن إلى أهم اكتشافاته:
1. أسس حساب التفاضل والتكامل
بدأ نيوتن بتطوير ما أسماه “الفيضونات” (fluxions)، وهي طريقة رياضية لحساب معدلات التغيير—المعروفة اليوم باسم حساب التفاضل والتكامل. لاحقاً، طوّر عالم الرياضيات الألماني غوتفريد لايبنتز نظاماً مشابهاً بشكل مستقل، مما أدى إلى نزاع مرير حول الأسبقية استمر لعقود.
2. قوانين الحركة والجاذبية الكونية
تقول الأسطورة أن تفاحة ساقطة من شجرة ألهمت نيوتن فكرة الجاذبية. ورغم أن القصة مُبالغ فيها، إلا أنها تعكس فكرته الأساسية: أن نفس القوة التي تسحب التفاحة إلى الأرض هي التي تحفظ القمر في مداره حول الأرض. صاغ نيوتن قوانين الحركة الثلاثة ومبدأ الجاذبية الكونية، لكنه لم ينشر هذه الأفكار إلا بعد سنوات.
3. البصريات وطبيعة الضوء
باستخدام المناشير، أثبت نيوتن أن الضوء الأبيض يتكون من ألوان الطيف، داحضاً النظرية السائدة بأن المناشير “تلوّن” الضوء. كما اخترع التلسكوب العاكس، الذي كان أكثر قوة وإحكاماً من التلسكوبات الكاسرة في ذلك الوقت.
لصعود إسحاق نيوتن إلى الشهرة (1667–1687)

عندما أعيد افتتاح كامبريدج، عاد نيوتن وتسلق بسرعة سلم الأكاديميا. في 1667، أصبح زميلاً في كلية ترينيتي، وفي 1669، عُيّن أستاذاً للرياضيات في كرسي لوكاسيان—وهو المنصب الذي شغله لاحقاً ستيفن هوكينغ.
كان نيوتن محاضراً انطوائياً وحاداً. غالباً ما كان يلقي محاضراته على قاعات فارغة لأن نظرياته المتقدمة كانت تفوق فهم معظم الطلاب. كما كان شديد السرية، خوفاً من النقد أو سرقة أفكاره. لسنوات، احتفظ باكتشافاته لنفسه، ولم يشاركها إلا مع قلّة موثوقة.
كتاب “الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية” (1687)
أعظم أعمال نيوتن، “الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية” (Philosophiæ Naturalis Principia Mathematica)، المعروف اختصاراً بـ“البرينكيبيا”، نُشر في 1687 بعد تشجيع من الفلكي إدموند هالي (مكتشف مذنب هالي). في هذا الكتاب، وضع نيوتن قوانين الحركة الثلاثة وقانون الجاذبية الكونية، مُثبتاً رياضياً أن نفس القوة تحكم حركة الأجرام السماوية والأجسام على الأرض. كان ذلك قفزة هائلة—فقد وُحّدت السماء والأرض تحت مجموعة واحدة من القوانين الفيزيائية.
أكسبه “البرينكيبيا” مكانة كأبرز عالم في عصره، لكن الكتاب كان معقداً جداً بحيث لم يفهمه سوى حفنة من الأشخاص في أوروبا. ومع ذلك، كان تأثيره غير مسبوق، وشكّل العلم لقرون قادمة.
السنوات الأخيرة لإسحاق نيوتن
شغل نيوتن منصب رئيس الجمعية الملكية من 1703 حتى وفاته. في 1705، أصبح أول عالم يُمنح لقب فارس، رغم أن التكريم كان لخدماته السياسية أكثر من إنجازاته العلمية.
توفي في 31 مارس 1727 عن عمر 84 عاماً، ودُفن في دير وستمنستر، وهو شرف نادر لعالم. إرثه لا يُقدّر بثمن: أعاد تعريف الفيزياء، اخترع حساب التفاضل والتكامل، فسّر حركة الكواكب، ووضع أسس البصريات الحديثة.
لكن نيوتن نفسه بقي متواضعاً بشأن إنجازاته. وكما قال بمقولته الشهيرة:
“إذا كنتُ قد رأيتُ أبعد من غيري، فذلك لأنني وقفتُ على أكتاف العمالقة.”*
لكن في الحقيقة، كان نيوتن هو العملاق الذي وقف على أكتافه كل العلماء الذين جاءوا بعده.