كان ماكس بلانك أحد أكثر الفيزيائيين تأثيرًا في القرن العشرين، وهو الرجل الذي غير عمله فهمنا للعالم الطبيعي بشكل جذري. أدى تقديمه لنظرية الكم إلى بداية ثورة علمية، أعادت تشكيل الفيزياء بطرق لم يكن يتخيلها حتى هو نفسه. لكن حياة بلانك لم تكن مجرد قصة نجاح علمي، بل شملت أيضًا مآسي شخصية، وصراعات سياسية، وإصرارًا لا يتزعزع على الحقيقة رغم كل الصعوبات. لفهم إرث بلانك، يجب أن نستكشف ليس فقط اكتشافاته الرائدة، ولكن أيضًا السياق التاريخي والشخصي الذي شكله.
المسيرة الأكاديمية والأعمال المبكرة

بعد حصوله على الدكتوراه عام 1879 بأطروحة عن القانون الثاني للديناميكا الحرارية، واجه بلانك صعوبة في العثور على وظيفة أكاديمية. عاد إلى ميونخ وعمل كمحاضر غير مدفوع الأجر (برايفاتدوزنت) حتى عام 1885، عندما عُين أستاذًا مساعدًا في جامعة كيل. بعد خمس سنوات، في عام 1890، خلف كيرشوف كأستاذ كامل في جامعة برلين، وهو المنصب الذي شغله لما يقرب من أربعة عقود.
خلال تسعينيات القرن التاسع عشر، ركز بلانك على الديناميكا الحرارية ونظرية الإشعاع. في ذلك الوقت، كان الفيزيائيون في حيرة من مشكلة إشعاع الجسم الأسود – الإشعاع الكهرومغناطيسي المنبعث من جسم مثالي يمتص كل الضوء الساقط عليه. فشلت الفيزياء الكلاسيكية، المستندة إلى ميكانيكا نيوتن ومعادلات ماكسويل، في تفسير الطيف المرصود لإشعاع الجسم الأسود. عُرف هذا التناقض باسم “كارثة الأشعة فوق البنفسجية”، لأن قانون رايلي-جينز السائد تنبأ بأن انبعاث الطاقة سيصبح لا نهائيًا عند الأطوال الموجية القصيرة، وهو أمر مستحيل فيزيائيًا.
ولادة نظرية الكم

جاء اكتشاف بلانك الثوري عام 1900 عندما اقترح حلًا جذريًا لمشكلة الجسم الأسود. افترض أن الطاقة لا تنبعث بشكل مستمر، كما تفترض الفيزياء الكلاسيكية، بل في حزم منفصلة، أطلق عليها اسم “الكمات”. كانت طاقة كل كم تتناسب مع تردده، معبرًا عنها بالمعادلة:
E = hν
حيث E هي الطاقة، وν هو التردد، وh هو ثابت بلانك – رقم أساسي في الفيزياء. كانت هذه الفكرة ثورية لأنها تضمنت أن الطاقة ليست قابلة للتقسيم إلى ما لا نهاية، بل تأتي في وحدات صغيرة غير قابلة للتجزئة.
في البداية، كان بلانك نفسه مترددًا بشأن الآثار المترتبة على نظريته. رأى أنها مجرد خدعة رياضية وليس حقيقة فيزيائية. لكن عندما استخدم ألبرت أينشتاين فرضية الكم في عام 1905 لتفسير الظاهرة الكهروضوئية (التي حصل بفضلها لاحقًا على جائزة نوبل)، أصبح من الواضح أن بلانك اكتشف حقيقة أساسية عن الطبيعة.
تكريم ماكس بلانك والأعمال اللاحقة

حصلت نظرية الكم لبلانك على قبول تدريجي، وبحلول العقد الثاني من القرن العشرين، أصبحت حجر الزاوية في الفيزياء الحديثة. في عام 1918، مُنح جائزة نوبل في الفيزياء لاكتشافه كمات الطاقة. رغم مساهمته الهائلة، ظل بلانك متواضعًا، مؤكدًا غالبًا أن عمله كان مجرد خطوة في رحلة علمية أكبر.
خلال عشرينيات القرن الماضي، تطورت ميكانيكا الكم بسرعة بفضل أعمال نيلز بور، وفيرنر هايزنبرغ، وإروين شرودنغر، وآخرين. كان بلانك، الذي كان في الستينيات من عمره آنذاك، متشككًا بعض الشيء في التفسيرات الأكثر راديكالية لميكانيكا الكم، خاصة الطبيعة الاحتمالية التي اقترحتها مدرسة كوبنهاغن. كان يفضل رؤية أكثر حتمية للفيزياء، تتماشى مع التقاليد الكلاسيكية.
المآسي الشخصية وعصر النازية

كانت حياة بلانك اللاحقة مليئة بالمعاناة الشخصية العميقة. توفيت زوجته الأولى، ماري ميرك، التي تزوجها عام 1887، في عام 1909، تاركة له أربعة أطفال. قُتل ابنه الأكبر، كارل، أثناء القتال في الحرب العالمية الأولى عام 1916. وتوفيت ابنتاه التوأم، مارغريت وإيما، أثناء الولادة في عامي 1917 و1919 على التوالي. أما ابنه الثاني، إروين، فقد كان مشاركًا بعمق في المقاومة الألمانية ضد النازيين وأُعدم عام 1945 بعد فشل مؤامرة 20 يوليو لاغتيال هتلر.
واجه بلانك نفسه تحديات هائلة خلال الحقبة النازية. رغم أنه لم يكن نشطًا سياسيًا، حاول حماية العلماء اليهود، بما في ذلك صديقه المقرب ألبرت أينشتاين، من الاضطهاد. في عام 1933، التقى بأدولف هتلر في محاولة لإقناعه بإلغاء فصل الأكاديميين اليهود، لكن الاجتماع كان فاشلًا. بقي بلانك في ألمانيا خلال الحرب، مستمرًا في عمله رغم النظام القمعي. دُمر منزله في برلين في غارة جوية للحلفاء عام 1944، مما اضطره للفرار إلى الريف.
السنوات الأخيرة لماكس بلانك
بعد الحرب، أصبح بلانك أحد أعظم علماء ألمانيا المُبَجَّلين. لعب دورًا أساسيًا في إعادة بناء المؤسسات العلمية الألمانية، بما في ذلك جمعية القيصر فيلهلم (التي سُميت لاحقًا جمعية ماكس بلانك تكريمًا له). قضى سنواته الأخيرة في غوتنغن، حيث توفي في 4 أكتوبر 1947 عن عمر يناهز 89 عامًا.
إرث بلانك لا يُقدَّر بثمن. لم تحل نظريته الكمومية مشكلة إشعاع الجسم الأسود فحسب، بل وضعت أيضًا أساس الفيزياء الحديثة، مؤثرة في كل شيء من النظرية الذرية إلى تكنولوجيا أشباه الموصلات. لا تزال جمعية ماكس بلانك واحدة من أبرز مؤسسات البحث العلمي في العالم، كشهادة على تأثيره الدائم.
وراء إنجازاته العلمية، كانت حياة بلانك شهادة على المثابرة في مواجهة الشدائد. تحمل المآسي الشخصية، والاضطرابات السياسية، والثورات العلمية، لكنه ظل ملتزمًا بالسعي وراء المعرفة. قصته ليست مجرد قصة عبقرية فكرية، بل أيضًا قوة إنسانية عميقة.
وكما قال بلانك نفسه: “لا يستطيع العلم حل اللغز النهائي للطبيعة. وذلك لأنه، في التحليل الأخير، نحن أنفسنا جزء من الطبيعة، وبالتالي جزء من اللغز الذي نحاول حله.” تذكرنا حياته وعمله بأن أعظم الاكتشافات غالبًا ما تأتي من أولئك الذين يجرؤون على استكشاف أعمق أسرار الكون.
اقرا ايضا قصة العالم جاليليو جاليلي