يُعد فيلم Drive My Car (قد سيارتي) دراما يابانية عميقة أُنتجت عام 2021 وأخرجها وشارك في كتابتها ريوسوكي هاماغوتشي، والمبني على قصة قصيرة للكاتب الشهير هاروكي موراكامي من مجموعته رجال بلا نساء. يمتد الفيلم قرابة ثلاث ساعات، ويدور في مدينة هيروشيما، حيث يقدم تأملاً مؤثراً في الحزن، والخسارة، وقوة الاتصال الإنساني في التئام الجراح. تتمحور القصة حول الممثل والمخرج المسرحي المعروف يوسوكي كافوكو، الذي يفقد زوجته فجأة. وبعد مرور عامين على وفاتها، يقبل دعوة لإخراج مسرحية الخال فانيا لتشيخوف في مهرجان مسرحي في هيروشيما. وهناك يُطلب منه أن ترافقه سائقة شابة تدعى ميساكي واتاري لقيادة سيارته الحمراء من نوع ساب 900. في رحلاتهما اليومية، تتكشف الذكريات والأسرار والندوب الداخلية، فيبدأ كافوكو بمواجهة حزنه المكبوت والحقيقة التي تهرب منها.
طبقات من المشاعر: الموضوع والأسلوب الفني

جوهر الفيلم هو الحزن: كيف يعزل الإنسان عن الآخرين، وكيف يمكن أن يجمع بين الغرباء الذين عانوا خسائر مشابهة. السيارة هنا ليست مجرد وسيلة نقل، بل تتحول إلى فضاء آمن للاعترافات والبوح، وإلى رمز لرحلة داخلية نحو المصالحة مع الذات. من الناحية البصرية، يبرع مدير التصوير هيديتوشي شينوميا في تحويل أبسط التفاصيل إلى لحظات مشحونة بالمعنى. مشاهد التدخين عبر فتحة سقف السيارة، أو الصمت الطويل بين الشخصيات، كلها مشاهد تحمل ثِقلاً شعورياً أكبر من الكلمات. أما الإخراج، فيتسم بالصبر والبطء المقصود. لا يعتمد الفيلم على الفلاش باك أو مشاهد الصدمة، بل يترك الأحداث تتكشف بهدوء، في مساحات طويلة من الحوار والصمت. هذه البساطة الشكلية تخفي عمقاً عاطفياً كبيراً.
العرض والاستقبال
عُرض الفيلم لأول مرة في مهرجان كان السينمائي 2021، حيث نافس على السعفة الذهبية. ورغم أنه لم يفز بها، فقد حصد جائزة أفضل سيناريو، إلى جانب جائزتين إضافيتين (جائزة النقاد الدوليين FIPRESCI وجائزة لجنة التحكيم المسكونية). عُرض في اليابان في أغسطس 2021، ثم في المملكة المتحدة (نوفمبر 19) والولايات المتحدة (نوفمبر 24). وفي يوليو 2022، أصدرت مؤسسة كرايتيريون نسخة بلو-راي وDVD للفيلم.
شباك التذاكر والنجاح النقدي

الإيرادات العالمية: 2.3 مليون دولار في الولايات المتحدة وكندا، 12.3 مليون دولار في باقي الدول، والمجموع: حوالي 14.7 مليون دولار. رغم أن الإيرادات كانت متواضعة مقارنة بإنتاجات هوليوود، إلا أنها تضاعفت بنسبة 122% بعد ترشيحات الأوسكار، لترتفع من أقل من مليون إلى أكثر من مليوني دولار في أميركا.
التقييمات النقدية: موقع Rotten Tomatoes: نسبة إعجاب 97% (بناءً على 217 مراجعة، متوسط التقييم 8.7/10). موقع Metacritic: معدل 91/100 من 42 ناقداً، ما يصنفه في خانة “إشادة عالمية”. صحيفة نيويورك تايمز: وصفت الفيلم بأنه “يتسلل إلى وجدانك، بمشاهد بصرية بسيطة وحبكة معقدة”. الغارديان: منحت الفيلم 5 نجوم، واعتبرته “تجربة آسرة وملهمة”. روجر إيبرت: أشاد بـ “صور رمزية مهيبة” وبالأسلوب الطبيعي في السرد.
الجوائز: حصاد عالمي

نال الفيلم عشرات الجوائز حول العالم، أبرزها: مهرجان كان: أفضل سيناريو + جائزتين أخريين. غولدن غلوب: أفضل فيلم بلغة أجنبية. الأوسكار (الدورة 94): 4 ترشيحات (أفضل فيلم – أول مرة لفيلم ياباني، أفضل إخراج، أفضل سيناريو مقتبس، أفضل فيلم عالمي) وفاز بجائزة أفضل فيلم دولي. جمعيات النقاد الأمريكية: جمعية نقاد نيويورك: أفضل فيلم. جمعية نقاد لوس أنجلوس: أفضل فيلم وأفضل سيناريو. الجمعية الوطنية لنقاد السينما: أفضل فيلم، إخراج، سيناريو، وأفضل ممثل (لهيديتوشي نيشيجيما). جمعية نقاد بوسطن: أفضل فيلم، إخراج، سيناريو، ممثل. جمعية نقاد تورونتو: أفضل فيلم. جوائز آسيا والمحيط الهادئ السينمائية: أفضل فيلم. جوائز الأكاديمية اليابانية للسينما (الدورة 45): أكبر عدد من الجوائز (8 جوائز). بهذا الإنجاز، أصبح Drive My Car واحداً من القلائل الذين فازوا بجائزة أفضل فيلم من أكبر ثلاث جمعيات نقاد في أميركا (نيويورك، لوس أنجلوس، النقاد الوطنيون)، ليلتحق بقائمة تاريخية تضم Goodfellas وSchindler’s List وThe Hurt Locker.
الموسيقى والصناعة الفنية
الموسيقى التصويرية من تأليف إيكو إيشيباشي، وتتميز بطابع تجريبي هادئ ينسجم مع أجواء الفيلم، حيث تمتزج الألحان بالأصوات الطبيعية للسيارة والمدينة، لتعكس الانغماس الداخلي للشخصيات. أما من الناحية التقنية، فقد تم تصوير معظم المشاهد داخل السيارة الحمراء الحقيقية أثناء الحركة، وليس في استوديو. ما جعل التصوير معقداً من حيث الإضاءة والصوت وزوايا الكاميرا. كان المخرج يتابع التسجيل من صندوق السيارة، لضمان دقة الأداء والتقاط كل لحظة شعورية.
اقرا ايضا كتاب علماء الفيزياء العظماء: حياة وأوقات علماء الفيزياء الرائدين من جاليليو إلى هوكينج
















