يُعد الصراع بين إيران وإسرائيل أحد أكثر التنافسات الجيوسياسية تعقيداً واستمراراً في العصر الحديث. على عكس الحروب التقليدية التي تشهد تحركات عسكرية واسعة النطاق ومواجهات مباشرة في ساحات القتال، يتميز هذا الصراع بحروب بالوكالة، وعمليات سرية، وهجمات إلكترونية، وحرب نفسية. وقد شكلت التوترات بين هاتين القوتين في الشرق الأوسط السياسة الإقليمية، وأثرت في أسواق الطاقة العالمية، وجذبت قوى عالمية كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا. لفهم هذا الصراع، يجب التعمق في جذوره التاريخية، والدوافع الأيديولوجية، والمناورات الاستراتيجية، والعواقب المحتملة على الأمن الدولي.
الخلفية التاريخية: جذور العداء

لم يكن العداء بين إيران وإسرائيل حتمياً في الماضي. في الواقع، قبل ثورة 1979 الإيرانية، حافظ البلدان على علاقة وظيفية، إن لم تكن ودية، تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي. بل إن إسرائيل زودت إيران بالأسلحة خلال السنوات الأولى من حكم الشاه، حيث رأت في إيران رادعاً استراتيجياً ضد القومية العربية، خاصة في عهد جمال عبد الناصر في مصر. لكن الإطاحة بالشاه وإقامة الجمهورية الإسلامية تحت قيادة آية الله روح الله الخميني شكلت تحولاً جذرياً. تبنت الحكومة الثورية الجديدة موقفاً معادياً بشدة لإسرائيل، واصفة إياها بأنها محتل غير شرعي للأراضي الفلسطينية وأداة للاستعمار الغربي.
وتعمق العداء الإيراني تجاه إسرائيل خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، عندما دعمت إسرائيل نظام صدام حسين في العراق—رغم التوترات اللاحقة مع بغداد—من خلال تقديم استخبارات وأسلحة. رأت طهران في ذلك خيانة، وضاعفت من خطابها المعادي “للكيان الصهيوني”. وفي المقابل، ازداد قلق إسرائيل من الطموحات النووية الإيرانية ودعمها لجماعات مسلحة مثل حزب الله في لبنان وحماس في غزة، واللتان شاركتا في مقاومة مسلحة ضد إسرائيل.
الحرب بالوكالة: شبكة نفوذ إيران

إحدى السمات الرئيسية للصراع الإسرائيلي الإيراني هي استخدام إيران لجماعات وكيلة لتمديد نفوذها عبر الشرق الأوسط دون الدخول في حرب مباشرة. أبرز هذه الجماعات هو حزب الله، التنظيم الشيعي المسلح في لبنان الذي تأسس في الثمانينيات بدعم إيراني. تطور حزب الله من جماعة مسلحة إلى قوة سياسية وعسكرية قادرة على إطلاق آلاف الصواريخ على إسرائيل وامتلاك جناح عسكري مدرب جيداً. وأظهرت حرب لبنان 2006، التي اندلعت بعد عملية عبورية لحزب الله أسفرت عن مقتل وأسر جنود إسرائيليين، قدرة التنظيم على إلحاق أضرار كبيرة وتحمل هجوم عسكري إسرائيلي واسع النطاق.
أما خارج لبنان، فقد عززت إيران تحالفاتها مع فصائل فلسطينية مثل حماس والجهاد الإسلامي، وزودتهم بتمويل وتدريب وأسلحة. ورغم أن حماس جماعة سنية ولا تشكل حليفاً أيديولوجياً طبيعياً لإيران الشيعية، فإن كراهيتهما المشتركة لإسرائيل جعلتهما شريكين تكتيكيين. كما وسعت إيران نفوذها إلى سوريا، حيث دعمت نظام بشار الأسد خلال الحرب الأهلية السورية، ونشرت مستشارين من الحرس الثوري وميليشيات لحماية مصالحها الاستراتيجية. وساعد ذلك إيران في إنشاء ممر بري يمتد من طهران عبر العراق وسوريا إلى لبنان—يُطلق عليه “الهلال الشيعي”—مما مكنها من نقل الأسلحة إلى حزب الله وحلفاء آخرين.
وأدركت إسرائيل الخطر الذي يمثله هذا التوسع، وقامت بمئات الضربات الجوية في سوريا تستهدف البنية التحتية الإيرانية وشحنات الأسلحة. وجرى تنفيذ هذه الضربات، التي غالباً ما تكون دقيقة لتجنب مواجهة مباشرة مع القوات الروسية (التي تعمل أيضاً في سوريا)، في إطار تصميم إسرائيل على منع إيران من ترسيخ وجودها العسكري على حدودها الشمالية.
العامل النووي: الخط الأحمر لإسرائيل

ربما يكون البعد الأكثر خطورة في الصراع الإيراني الإسرائيلي هو البرنامج النووي الإيراني. إذ ترى إسرائيل أن إيران تمتلك سلاحاً نووياً يشكل تهديداً وجودياً، خاصة في ضوء الدعوات الإيرانية المتكررة لتدمير إسرائيل ودعمها لجماعات معادية. وقد أكدت الحكومة الإسرائيلية باستمرار أنها لن تسمح لإيران بتطوير أسلحة نووية، حتى لو تطلب ذلك تحركاً عسكرياً منفرداً.
من جانبها، تصر إيران على أن برنامجها النووي سلمي ويهدف إلى إنتاج الطاقة والأبحاث الطبية. لكن وثائق مسربة وتقارير من الوكالة الدولية للطاقة الذرية كشفت عن جهود إيرانية سابقة لتطوير قدرات نووية عسكرية، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم سراً وتصميم رؤوس حربية. وكانت خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) لعام 2015، التي تفاوضت عليها إيران مع القوى العالمية، تهدف إلى الحد من الأنشطة النووية الإيرانية مقابل رفع العقوبات. لكن إسرائيل، تحت قيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، عارضت الاتفاق بشدة، بحجة أنه لا يفكك البنية التحتية النووية الإيرانية بشكل كافٍ وأن بنوده المؤقتة ستسمح لإيران باستئناف التطوير النووي لاحقاً.
وأدى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في 2018 تحت حكم الرئيس دونالد ترامب وإعادة فرض العقوبات إلى تصعيد التوترات. وردت إيران بانتهاك تدريجي لقيود تخصيب اليورانيوم المنصوص عليها في الاتفاق، مما أثار مخاوف من عودة السعي نحو امتلاك أسلحة نووية. وفي المقابل، اتهمت إسرائيل بتنفيذ عمليات تخريب ضد المنشآت النووية الإيرانية عبر هجمات إلكترونية (مثل فيروس ستكسنت) واغتيال علماء نوويين إيرانيين. وكان اغتيال العالم النووي البارز محسن فخري زاده في 2020، الذي نُسب إلى إسرائيل، تذكيراً صارخاً بحرب الظلال الدائرة بين البلدين.
حملات الاغتيال والعمليات السرية
إلى جانب الضربات الجوية والحرب الإلكترونية، يُعتقد أن إسرائيل تنفذ عمليات اغتيال مستهدفة ضد علماء نوويين ومسؤولين عسكريين إيرانيين. وتهدف هذه العمليات، التي ينفذها جهاز الموساد عادةً، إلى إعاقة التقدم النووي الإيراني وإضعاف قيادته العسكرية. على سبيل المثال، كان اغتيال فخري زاده ضربة قوية للبرنامج النووي الإيراني، حيث كان يُعتقد أنه مهندس تطوير الأسلحة النووية.
وردت إيران بعمليات سرية خاصة بها، بما في ذلك هجمات استهدفت دبلوماسيين إسرائيليين وأهدافاً يهودية في الخارج. ففي 2012، وُجهت أصابع الاتهام إلى عناصر إيرانية في سلسلة تفجيرات استهدفت موظفي السفارة الإسرائيلية في الهند وجورجيا وتايلاند. كما اتُهمت إيران مؤخراً بتنظيم هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ على سفن تجارية مرتبطة بإسرائيل في الخليج العربي وبحر العرب، كجزء من حرب ظلال بحرية أوسع.
التداعيات الإقليمية والعالمية
لا يقتصر الصراع الإيراني الإسرائيلي على الشرق الأوسط، بل له تداعيات بعيدة المدى على الأمن العالمي وأسواق الطاقة. فمضيق هرمز، الممر الاستراتيجي لشحنات النفط العالمية، كان نقطة اشتعال، حيث هددت إيران مراراً بعرقلة الشحن رداً على الضغوط الغربية. وأي تصعيد كبير بين إيران وإسرائيل قد يؤدي إلى حرب إقليمية تشارك فيها الولايات المتحدة وروسيا ودول الخليج.
كما يفاقم الصراع التوترات السنية الشيعية، حيث تحالف السعودية ودول خليجية أخرى مع إسرائيل ضد إيران. وكانت اتفاقيات إبراهيم 2020، التي طبعت العلاقات بين إسرائيل وعدة دول عربية، مدفوعة جزئياً بمخاوف مشتركة من التوسع الإيراني.
اقرا ايضا إيطاليا: رحلة عبر التاريخ والثقافة وحياة “لا دولتشي فيتا”
















