في ثمانينيات القرن العشرين، شهدت كندا واحدة من أبشع القضايا الإجرامية التي هزّت وجدان المجتمع وأثارت الرأي العام لسنوات طويلة. إنها قصة بول برناردو، الملقب بـ “قاتل مدرسة سانت كاثرينز”، والذي تعاون مع شريكته كارلا هومولكا في سلسلة من الجرائم المروعة بين عامي 1987 و1990. هذه القضية لم تكن مجرد جرائم قتل واغتصاب، بل كانت صدمة نفسية وثقافية كشفت الجانب المظلم من العلاقات الإنسانية، وأظهرت كيف يمكن للحب المريض أن يتحول إلى وحش قاتل.
من هو بول برناردو؟

ولد بول كينيث برناردو في 27 أغسطس 1964 في مدينة سكاربورو، أونتاريو، كندا. نشأ في عائلة تبدو للوهلة الأولى طبيعية من الطبقة المتوسطة، لكن خلف الأبواب المغلقة كانت حياة أسرية مضطربة مليئة بالعنف النفسي والاعتداءات الجنسية. كان والده معروفًا بسلوكه العنيف والمنحرف، وقد اتُهم بالتحرش الجنسي بابنته. هذه البيئة المريضة كانت الخلفية التي ساهمت في تشكيل شخصية بول المظلمة.
منذ سنوات مراهقته، أظهر بول علامات مقلقة من النرجسية والعدوانية تجاه النساء. كان يعشق السيطرة والإذلال، ويُقال إنه كان يظهر سحرًا خارقًا في تعامله مع الفتيات، مما جعله يبدو جذابًا ومثاليًا في الظاهر. لكن خلف هذا القناع الوسيم، كان يخفي ميلًا مرضيًا للعنف الجنسي.
بدايات الإجرام: مغتصب سكاربورو

بين عامي 1987 و1990، بدأت الشرطة في منطقة سكاربورو تتلقى بلاغات متكررة من نساء تعرضن لاعتداءات جنسية من قبل رجل مجهول يهاجم ضحاياه قرب محطات الحافلات أو في الأزقة المظلمة. جميع الضحايا وصفن المهاجم بنفس المواصفات: شاب وسيم، في منتصف العشرينات، يتحدث بطريقة لطيفة قبل أن يتحول إلى شخص عنيف بشكل مرعب.
خلال تلك السنوات، بلغ عدد ضحايا “مغتصب سكاربورو” أكثر من 12 امرأة على الأقل. استخدم بول نفس الأسلوب في معظم جرائمه: كان يراقب ضحاياه، يتتبعهن إلى منازلهن أو مواقف الحافلات، ثم يهاجمهن مستخدمًا القوة والعنف الشديد.
ورغم أن الشرطة جمعت عينات من الحمض النووي من مواقع الجرائم، إلا أن التكنولوجيا في ذلك الوقت لم تكن متطورة بما يكفي لربطها به مباشرة. الغريب أن بول نفسه وافق على تقديم عينة من حمضه النووي عام 1990، لكنه لم يُفحص إلا بعد ثلاث سنوات، أي بعد أن ارتكب جرائم أكثر فظاعة.
العلاقة المظلمة: بول برناردو وكارلا هومولكا

في عام 1987، التقى بول بفتاة تُدعى كارلا هومولكا، وكانت في السابعة عشرة من عمرها. كانت جميلة وذكية وتبدو مثالية، لكنها سرعان ما انجذبت إلى شخصية بول المسيطرة. بدأ الاثنان علاقة عاطفية مليئة بالتحكم والإذلال الجنسي.
تحت تأثير بول، بدأت كارلا تشاركه رغباته المريضة، بل وتساعده على تنفيذها. كانت مهووسة بإرضائه إلى درجة أنها قدمت له “هدية” غير متوقعة في عيد الميلاد عام 1990 — أختها الصغيرة تمّي هومولكا (15 عامًا).
الجريمة الأولى: مقتل تامي هومولكا

في ديسمبر 1990، قام بول وكارلا بتخدير تامي بمزيج من الكحول ومخدر بيطري كانت كارلا قد سرقته من مكان عملها في عيادة بيطرية. أثناء فقدانها الوعي، اغتصبها بول بمساعدة كارلا، لكن الأمور خرجت عن السيطرة عندما اختنقت تامي بالقيء وماتت في الحال.
حاول الاثنان التستر على الجريمة وأقنعا الشرطة أن الوفاة كانت “حادث اختناق كحولي”. تم تصديق القصة في البداية، لكن لاحقًا، ومع ظهور الأدلة، تبين أن الحادث كان أولى جرائمهما القاتلة.
تصاعد الرعب: جرائم القتل الجماعي

لم يكتفِ بول وكارلا بتامي، بل انطلقا في سلسلة جديدة من الجرائم المروعة استمرت حتى عام 1992. وكانت أبرز ضحاياهما:
1. ليزلي ماهافي (Leslie Mahaffy)
في يونيو 1991، اختطف بول الفتاة ليزلي ماهافي البالغة من العمر 14 عامًا بعد أن فقدت مفاتيح منزلها. احتجزها مع كارلا في منزلهما، حيث تعرضت للاغتصاب والتعذيب لأيام، قبل أن يقوم بول بخنقها وقتلها. بعدها قاما بتقطيع جسدها ووضع الأجزاء في أسمنت ثم رمياها في بحيرة غيبسون.
2. كريستين فرنش (Kristen French)
في أبريل 1992، كانت كريستين (15 عامًا) تسير عائدة إلى منزلها عندما أوقفها بول وكارلا بحجة طلب المساعدة في الاتجاهات. تم اختطافها واحتجازها في منزلهما، حيث تعرضت لاعتداءات مروعة استمرت ثلاثة أيام قبل أن تُقتل خنقًا. تم العثور على جثتها بعد أيام في منطقة ريفية قرب سانت كاثرينز.
هذه الجرائم أثارت رعبًا هائلًا في كندا، خاصة بعدما تبين أن الجناة لم يكونوا مجرمين منعزلين، بل ثنائيًا يعيش حياة اجتماعية طبيعية ظاهريًا.
سقوط السفاحين

بدأت العلاقة بين بول وكارلا تتدهور عام 1992 بعد تزايد عنف بول تجاهها جسديًا ونفسيًا. قررت كارلا الانفصال عنه، لكنها بعد فترة قصيرة اعترفت لعائلتها بما حدث، مما دفعهم لإبلاغ الشرطة.
في عام 1993، تم القبض على بول برناردو بتهمة الاعتداء والاغتصاب. وبعد فحص الحمض النووي أخيرًا، تم التأكد من أنه هو “مغتصب سكاربورو” المجهول.
أما كارلا، فقد توصلت إلى اتفاق مع النيابة العامة يُعرف باسم “صفقة الشيطان” (Deal with the Devil)، إذ وافقت على الإدلاء بشهادتها ضد بول مقابل تخفيف الحكم عليها إلى 12 عامًا فقط، على الرغم من مشاركتها الفعلية في الجرائم.
المحاكمة والتفاصيل الصادمة
خلال المحاكمة التي بدأت عام 1995، صُدمت كندا بمشاهد الفيديو التي صورها بول بنفسه أثناء تنفيذ جرائمه مع كارلا. أظهرت المقاطع عمليات اغتصاب وتعذيب مروعة للضحايا، ما جعل هيئة المحلفين والجمهور في حالة ذهول.
في سبتمبر 1995، تمت إدانة بول برناردو بست تهم قتل من الدرجة الأولى وجرائم اغتصاب واختطاف، وحُكم عليه بالسجن المؤبد دون إمكانية الإفراج المشروط. ولا يزال حتى اليوم في سجن شديد الحراسة في أونتاريو.
مقال اخر زلزال تركيا–سوريا المدمر 2023: سلسلة زلازل عنيفة وهدم للمدن بما فيها القتلى















