في قلب جبال الأنديز في كولومبيا يقع بركان نيفادو ديل رويز، وهو بركان شامخ مغطى بالجليد والثلوج، يخفي تحت جماله قوة مدمرة غير متوقعة. ففي 13 نوفمبر عام 1985، ثار هذا البركان بقوة هائلة، مما أدى إلى انصهار جزء من قمته الجليدية وانطلاق تدفقات طينية بركانية مميتة (لاهار) اجتاحت المدن والقرى، وأسفرت عن مقتل أكثر من 23,000 شخص.
تُعد هذه الكارثة واحدة من أكثر الانفجارات البركانية دموية في القرن العشرين، ودرساً مؤلماً للبشرية حول قوة الطبيعة المدمرة وعواقب تجاهل التحذيرات العلمية.
البركان وتاريخه

يُعرف نيفادو ديل رويز محلياً باسم “الأسد النائم” (El León Dormido)، وهو جزء من حزام الأنديز البركاني. يبلغ ارتفاعه 5,321 متراً فوق سطح البحر، ويُعد أحد أعلى وأنشط البراكين في كولومبيا.
تاريخياً، ثار البركان مرات عديدة، أبرزها في عامي 1595 و1845، وتسببت تلك الانفجارات في تدفقات طينية قاتلة أودت بحياة أكثر من 1,000 شخص في القرن التاسع عشر. ورغم أن تلك الكوارث كانت إنذاراً مبكراً، إلا أن الزمن أنسى الناس خطورتها حتى تكررت المأساة بعد أكثر من مئة عام.
إشارات الخطر التي تم تجاهلها

بدأت مؤشرات النشاط البركاني تظهر في عام 1984. حيث رصد العلماء زلازل صغيرة وانبعاثات من الرماد والغازات الكبريتية من فوهة البركان، وارتفعت مستويات ثاني أكسيد الكبريت بشكل واضح.
في عام 1985، حذّر خبراء من هيئة الجيولوجيا الكولومبية ومنظمات دولية من احتمالية حدوث ثوران وشيك، وأعدّوا خرائط للمناطق المعرّضة للخطر، موضحين أن بلدة أرميرو (Armero) الواقعة على بُعد نحو 48 كيلومتراً من البركان ستكون في طريق التدفقات الطينية إذا وقع انفجار.
لكن الخلافات السياسية وسوء التنسيق وقلة الوعي جعلت التحذيرات تُهمَل، إذ اعتقد المسؤولون أن البركان لن يثور، أو أن الطين لن يصل إلى البلدة. هذا التقاعس كلف البلاد أغلى ثمن.
ليلة الثوران المدمرة

في مساء 13 نوفمبر 1985، بدأت سلسلة من الانفجارات البركانية العنيفة تهز نيفادو ديل رويز. وفي تمام الساعة 9:09 مساءً، وقع الانفجار الكبير الذي أرسل عموداً من الرماد والغازات إلى ارتفاع أكثر من 30 كيلومتراً في السماء.
أدى الانفجار إلى ذوبان حوالي 10٪ من الغطاء الجليدي للبركان، ما أطلق 35 مليون طن من الجليد والماء والرماد، شكلت تدفقات طينية هائلة اندفعت بسرعة تقارب 50 كيلومتراً في الساعة نحو الوديان المحيطة.
بعد ساعتين فقط، وصلت هذه السيول البركانية إلى بلدة أرميرو، التي كان سكانها البالغ عددهم نحو 29,000 شخص نائمين في بيوتهم. حوالي الساعة 11:30 مساءً، اجتاحت أول موجة من الطين البلدة بالكامل، مدمّرة المنازل والمباني في لحظات.
في غضون دقائق، دُفنت أرميرو تحت أكثر من 5 أمتار من الطين والرماد. تحولت البلدة إلى مقبرة ضخمة، ومات أكثر من 20,000 شخص في تلك الليلة المأساوية.
مأساة أرميرو
كانت المشاهد في أرميرو تفوق الخيال. الناجون تحدثوا عن صرخات الناس في الظلام، وعن العائلات التي ابتلعها الطين أمام أعينهم. كثيرون ظلوا محاصرين تحت الأنقاض أو عالقين في الوحل لعدة أيام.
من بين أكثر القصص مأساوية قصة الفتاة أوميرا سانشيز (Omayra Sánchez) البالغة من العمر 13 عاماً، التي حوصرت بين أنقاض منزلها لثلاثة أيام. حاول رجال الإنقاذ إنقاذها بكل الوسائل، لكن المعدات اللازمة لم تكن متوفرة. تم تصوير معاناتها وبثها على شاشات التلفاز حول العالم، وأصبحت رمزاً مؤلماً للمأساة والفشل الإنساني.
بلغت الحصيلة النهائية للكارثة 23,080 قتيلاً، وأكثر من 5,000 جريح، ودمّرت 5,000 منزل بالكامل. لم تعد أرميرو موجودة على الخريطة، لكنها بقيت محفورة في ذاكرة كولومبيا والعالم كرمز لأكبر فاجعة بركانية في تاريخ البلاد.
اقرا ايضا من الحياة الموت: القصة الكاملة لمرض ميناماتا في اليابان(The Minamata Disease)
















