يُعد تفجير مدينة أوكلاهوما أحد أحلك الأيام في التاريخ الأمريكي الحديث. ففي صباح التاسع عشر من أبريل عام 1995، دوى انفجار هائل في مبنى الحكومة الفيدرالية “ألفريد بي موراه” بوسط مدينة أوكلاهوما، أسفر عن مقتل 168 شخصًا، من بينهم 19 طفلًا، وإصابة أكثر من 680 آخرين. لم يكن هذا العمل الوحشي من تنفيذ منظمة أجنبية، بل كان من تخطيط وتنفيذ مواطنين أمريكيين مدفوعين بالكراهية للحكومة الفيدرالية. شكل هذا الحدث نقطة تحول في نظرة الولايات المتحدة إلى الإرهاب المحلي، وأعاد صياغة سياساتها الأمنية لعقود لاحقة.
خلفية تفجير أوكلاهوما والدوافع

تعود جذور تفجير أوكلاهوما إلى تصاعد مشاعر العداء للحكومة الأمريكية بين بعض الجماعات المتطرفة في بداية التسعينيات. كان المنفذ الرئيسي، تيموثي مكفاي، ومعاونه تيري نيكولز، يحملان غضبًا عميقًا تجاه الحكومة بعد حادثتين شهيرتين: حادثة “روبي ريدج” عام 1992، وحصار “واكو” في تكساس عام 1993.
في هاتين الحادثتين، أدى تدخل الحكومة الفيدرالية في مواجهات مسلحة إلى مقتل مدنيين، ما أثار غضبًا واسعًا بين أنصار الحركات اليمينية المتطرفة. تأثر مكفاي، وهو جندي سابق شارك في حرب الخليج، بشدة بما حدث في واكو، حيث قُتل 76 شخصًا من أتباع طائفة “الفرع الداوودي” بعد حصار دام 51 يومًا. رأى مكفاي في ذلك دليلاً على أن الحكومة أصبحت “طاغية” تهاجم مواطنيها.
استمد مكفاي أفكاره من كتب ودعايات معادية للحكومة، أبرزها رواية “يوميات تيرنر” التي تصور ثورة عنيفة ضد النظام الأمريكي. ومع مرور الوقت، اقتنع بأن تنفيذ هجوم مدوٍ سيشعل شرارة “ثورة وطنية”. وفي عام 1995، قرر استهداف مبنى حكومي يرمز إلى سلطة الدولة الفيدرالية.
التخطيط للهجوم

قضى مكفاي ونيكولز شهورًا في الإعداد للعملية. قررا تصنيع قنبلة ضخمة باستخدام مزيج من نترات الأمونيوم وزيت الوقود (ANFO)، وهو خليط متفجر سهل الحصول عليه. قاما بشراء كميات كبيرة من الأسمدة والمواد الكيميائية تحت أسماء وهمية، وخزّناها في وحدات مستأجرة.
استأجرا شاحنة من نوع “رايدر” وملآها بنحو 4800 رطل من المتفجرات. وفي صباح يوم 19 أبريل 1995، قاد مكفاي الشاحنة إلى وسط أوكلاهوما سيتي وأوقفها أمام مبنى موراه الفيدرالي، الذي كان يضم مكاتب لعدة مؤسسات حكومية مثل مكتب الكحول والتبغ والأسلحة (ATF) وإدارة الضمان الاجتماعي وجهاز الخدمة السرية.
في الساعة 9:02 صباحًا، أشعل مكفاي الفتيل وغادر المكان بهدوء. دقائق قليلة بعد ذلك، دوى الانفجار الهائل، مكافئًا لقوة 7000 رطل من مادة “تي إن تي”. دمر الانفجار ثلث المبنى على الفور، وامتد دويه إلى أكثر من 55 ميلًا، بينما تحطمت نوافذ عشرات المباني في المنطقة.
اللحظات الأولى بعد الانفجار

أحدث الانفجار مشهدًا مروعًا من الدمار والفوضى. خلال ثوانٍ، انهارت طوابق كاملة، ودُفن مئات الأشخاص تحت الأنقاض. كان في المبنى حضانة أطفال في الطابق الثاني، لقي فيها 19 طفلًا مصرعهم. اندفع رجال الإطفاء والشرطة والمسعفون إلى الموقع، في مشهد بطولي لإنقاذ الأرواح وسط الركام والدخان والنيران.
استمرت عمليات الإنقاذ أكثر من أسبوعين، بمشاركة مئات المتطوعين من جميع أنحاء البلاد. أسفر الهجوم عن مقتل 168 شخصًا وإصابة أكثر من 680 آخرين، كما دُمرت مبانٍ كثيرة في دائرة نصف قطرها 16 مبنى، وقدرت الخسائر المادية بما يزيد على 650 مليون دولار.
كانت مدينة أوكلاهوما، ذات الطابع المتماسك والإنساني، في حالة صدمة تامة. لكن مشاعر الحزن تحولت سريعًا إلى تضامن؛ فتدفقت التبرعات، وتطوع المواطنون للتبرع بالدم والملابس، وفتحت الكنائس أبوابها لعائلات الضحايا.
التحقيق واعتقال المتهمين

بعد حوالي 90 دقيقة فقط من الانفجار، أوقف ضابط شرطة في ولاية أوكلاهوما يُدعى “تشارلي هانغر” سائق سيارة دون لوحات. كان السائق هو تيموثي مكفاي، وتم اعتقاله لحيازته سلاحًا غير مرخص. في ذلك الوقت، لم تكن السلطات تدرك بعد أنه منفذ الهجوم.
وفي غضون ساعات، تمكن محققو مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) من العثور على جزء من محور الشاحنة يحمل رقم التعريف، ما قادهم إلى وكالة تأجير في مدينة “جانكشن سيتي” بولاية كانساس. ومن هناك، تم التعرف على مكفاي كمستأجر للشاحنة. بعد وقت قصير، تم القبض على شريكه تيري نيكولز في كانساس أيضًا، وعُثر في منزله على مواد متفجرة ووثائق تخطيط مفصلة.
المحاكمة والأحكام
كانت محاكمة تيموثي مكفاي واحدة من أكثر القضايا متابعة في التاريخ الأمريكي. وُجهت إليه 11 تهمة فيدرالية، من بينها استخدام سلاح دمار شامل والقتل العمد لموظفين فيدراليين. قدم الادعاء أدلة دامغة تضمنت شهادات شهود وأدلة مادية من موقع الانفجار وكتابات مكفاي التي تعكس كراهيته للحكومة.
لم يُبدِ مكفاي أي ندم على أفعاله. وفي عام 1997، أدانته المحكمة بكل التهم وحُكم عليه بالإعدام. تم تنفيذ الحكم في 11 يونيو عام 2001 بحقنة قاتلة في سجن فيدرالي بولاية إنديانا.
أما تيري نيكولز، فحُكم عليه بالسجن المؤبد دون إمكانية الإفراج المشروط بعد إدانته بالتآمر والقتل غير العمد. وأدين شريك ثالث يُدعى مايكل فورتير، الذي كان على علم بالمؤامرة ولم يبلغ عنها، وقضى عشر سنوات في السجن مقابل شهادته ضد مكفاي ونيكولز.
اقرا ايضا وراء القناع… كيف خدع جون واين غيسي العالم بزي مهرج؟(John Wayne Gacy)
















