في صباح يوم 6 ديسمبر عام 1917، شهدت مدينة هاليفاكس في مقاطعة نوفا سكوشا الكندية واحدة من أبشع الكوارث في التاريخ الحديث. ففي لحظة واحدة، تحولت المدينة المينائية المزدهرة إلى أنقاض عندما اصطدمت سفينتان داخل الميناء: السفينة الفرنسية “إس إس مونت بلانك” المحمّلة بالمتفجرات، والسفينة النرويجية “إس إس إيمو”.
أدى هذا الاصطدام إلى انفجار هائل أودى بحياة 1782 شخصاً وأصاب أكثر من 9000 آخرين، مسبباً دماراً شاملاً في المدينة. ويُعدّ انفجار هاليفاكس أكبر انفجار من صنع الإنسان في التاريخ قبل ظهور الأسلحة النووية.
هاليفاكس خلال الحرب العالمية الأولى

أثناء الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، كانت هاليفاكس ميناءً استراتيجياً للحلفاء. فقد استخدمته القوات لنقل الإمدادات والذخائر والجنود عبر المحيط الأطلسي.
كان الميناء يعج بالسفن العسكرية وسفن الشحن، ما جعل الحركة البحرية فيه مزدحمة ومحفوفة بالمخاطر. كانت المدينة تشهد ازدهاراً اقتصادياً، لكن وجود كميات ضخمة من المتفجرات والوقود جعلها عرضة لخطر دائم.
الاصطدام الذي أشعل الكارثة

في 5 ديسمبر 1917، وصلت السفينة الفرنسية مونت بلانك من نيويورك، محمّلة بشحنة شديدة الخطورة تتكون من:
- 2366 طناً من حمض البيكريك
- 250 طناً من مادة تي إن تي
- 62 طناً من القطن المتفجر
- 246 طناً من البنزين
وصلت السفينة متأخرة فاضطرت إلى الانتظار حتى صباح اليوم التالي لدخول الميناء. في الوقت نفسه كانت السفينة النرويجية إيمو تستعد لمغادرة الميناء عبر الممر الضيق المعروف باسم “ذي ناروز”.
حدثت سلسلة من الأخطاء في التواصل والملاحة، إذ حاولت كل سفينة المرور من الجهة نفسها في انتهاك لقواعد الملاحة البحرية. وعند الساعة 8:45 صباحاً، اصطدمت إيمو بـمونت بلانك، مما تسبب في اشتعال البنزين على سطح السفينة الفرنسية.
الانفجار الذي دمّر المدينة

بعد الاصطدام، تصاعدت ألسنة اللهب من السفينة المنكوبة، وبدأ الطاقم بالهروب وهو يصرخ محذّراً الناس من الخطر، لكن الكثير من سكان هاليفاكس تجمعوا لمشاهدة الحريق دون أن يدركوا أن السفينة تحمل متفجرات.
وفي تمام الساعة 9:04 صباحاً، وقع الانفجار المروع. كانت قوته تعادل 2.9 كيلوطن من مادة تي إن تي، ودمرت الأحياء الشمالية من المدينة بالكامل خلال ثوانٍ معدودة.
تبخرت السفينة عن بكرة أبيها، وتناثرت قطع حديدها لمسافات بعيدة، إذ وُجدت إحدى قطع المرساة على بعد أكثر من 3 كيلومترات من موقع الانفجار. تحطمت المباني، وتهشمت النوافذ في مناطق تبعد أكثر من 80 كيلومتراً، واشتعلت الحرائق في كل مكان.
الخسائر البشرية والمادية

كان أثر الانفجار مدمّراً بشكل لا يمكن تصوره.
- 1782 قتيلاً في لحظات معدودة.
- أكثر من 9000 جريح، بينهم المئات ممن فقدوا بصرهم بسبب الزجاج المتطاير.
- 25 ألف شخص شُرّدوا من منازلهم.
كانت الكارثة مروعة خاصة بالنسبة للأطفال، إذ أصيب الكثيرون أثناء مشاهدتهم الحريق من نوافذ المدارس التي تحطمت تحت ضغط الانفجار.
المدينة بعد الانفجار
تحولت هاليفاكس إلى أنقاض خلال ساعات قليلة. اندلعت الحرائق في كل مكان، وارتفعت سحب الدخان حتى غطت السماء. وفي اليوم التالي مباشرة، هبت عاصفة ثلجية قوية زادت من مأساة المدينة وصعّبت جهود الإنقاذ.
رغم الفوضى، بدأت عمليات الإنقاذ فوراً. شارك الجنود والعاملون في السكك الحديدية والمواطنون في إنقاذ الجرحى. تحولت المدارس والكنائس إلى مستشفيات ميدانية لعلاج المصابين.
القوة العلمية للانفجار
قدّر العلماء طاقة الانفجار بما يعادل 2.9 كيلوطن من مادة تي إن تي، وهو ما يقارب قوة القنابل الذرية الأولى. تحركت موجة الضغط بسرعة تزيد على 1000 متر في الثانية، وارتفعت حرارة موقع الانفجار إلى 5000 درجة مئوية، مما أدى إلى تبخر السفينة فوراً.
كما ولّد الانفجار تسونامي بلغ ارتفاعه 18 متراً، اجتاح الميناء ودمر السفن والمباني القريبة. أصبح الحدث موضوعاً مهماً للدراسات العلمية حول الانفجارات وتأثيراتها على المدن.
















