تُعد سنغافورة اليوم واحدة من أقل دول العالم فسادًا، إذ نجحت خلال عقود قليلة في بناء نظام حكومي يتميز بالشفافية والكفاءة والنزاهة. وعلى الرغم من صغر مساحتها وقلة مواردها الطبيعية، استطاعت هذه الدولة أن تتحول إلى أحد أهم المراكز المالية والتجارية في العالم، ويرجع جزء كبير من هذا النجاح إلى سياساتها الصارمة في مكافحة الفساد.
ففي الوقت الذي تعاني فيه العديد من الدول من الرشوة، واستغلال النفوذ، والفساد الإداري، نجحت سنغافورة في ترسيخ ثقافة تقوم على سيادة القانون والمساءلة والشفافية، حتى أصبحت نموذجًا عالميًا يُحتذى به في الإدارة الرشيدة.
ووفقًا لمؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، تحتل سنغافورة باستمرار مراكز متقدمة ضمن أقل دول العالم فسادًا، وهو إنجاز لم يتحقق في يوم واحد، بل كان نتيجة إصلاحات متواصلة امتدت لعقود، شملت القوانين، والمؤسسات، والإدارة الحكومية، والتعليم، ونشر ثقافة النزاهة في المجتمع.
الفساد في سنغافورة قبل الاستقلال

خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لم تكن سنغافورة تختلف كثيرًا عن العديد من الدول النامية، حيث كان الفساد منتشرًا في عدد من المؤسسات الحكومية.
ومن أبرز مظاهر الفساد آنذاك:
- انتشار الرشوة داخل جهاز الشرطة.
- الفساد في الجمارك.
- حماية أنشطة المقامرة غير القانونية.
- انتشار السوق السوداء.
- المحاباة في منح التراخيص.
- ضعف الرقابة على الموظفين الحكوميين.
وكان انخفاض رواتب الموظفين وضعف أجهزة الرقابة من الأسباب الرئيسية التي ساهمت في انتشار هذه الظاهرة.
لكن بعد حصول سنغافورة على الحكم الذاتي عام 1959 ثم استقلالها الكامل عام 1965، أدركت القيادة السياسية أن القضاء على الفساد يمثل شرطًا أساسيًا لبناء دولة قوية واقتصاد مزدهر.
القيادة السياسية وسياسة عدم التسامح مع الفساد

اعتمدت الحكومة السنغافورية منذ البداية سياسة واضحة تقوم على عدم التسامح مطلقًا مع الفساد.
فالقانون يُطبق على الجميع دون استثناء، بغض النظر عن:
- المنصب.
- الثروة.
- النفوذ السياسي.
- المكانة الاجتماعية.
وقد خضع عبر السنوات عدد من الوزراء وكبار المسؤولين ورجال الأعمال وضباط الشرطة لتحقيقات ومحاكمات في قضايا فساد، وهو ما عزز ثقة المواطنين بأن الجميع متساوون أمام القانون.
مكتب التحقيق في ممارسات الفساد (CPIB)

يُعتبر مكتب التحقيق في ممارسات الفساد (Corrupt Practices Investigation Bureau – CPIB) حجر الأساس في منظومة مكافحة الفساد في سنغافورة.
تأسس المكتب عام 1952، لكنه حصل على صلاحيات أوسع بعد الاستقلال، وأصبح يتمتع باستقلالية كبيرة في أداء مهامه.
وتشمل مسؤولياته:
- التحقيق في بلاغات الفساد.
- جمع الأدلة.
- مراقبة المشتبه بهم.
- تنفيذ عمليات التفتيش.
- التعاون مع النيابة العامة.
- نشر الوعي بمخاطر الفساد وطرق الوقاية منه.
ويتمتع المكتب بصلاحيات واسعة للتحقيق مع أي شخص، سواء كان موظفًا حكوميًا أو رجل أعمال أو مسؤولًا رفيع المستوى، دون تمييز.
العودة الملحمة الخيالية: House of the Dragon اقرا ايضا الموسم الأخير من مسلسل















