في صيف عام 1975، واجهت الصين واحدة من أعنف الكوارث الهندسية في تاريخ البشرية، عندما انهار سد بانقياو في مقاطعة خنان، مما أدى إلى وفاة أكثر من 171,000 شخص وتشريد الملايين. هذه الكارثة لم تكن مجرد حادث طبيعي، بل كانت نتيجة مزيج قاتل من سوء التخطيط، والإهمال في الصيانة، والتغيرات المناخية القاسية. حتى اليوم، يُعتبر انهيار سد بانقياو مأساة صامتة، تم التعتيم عليها لعقود طويلة قبل أن يُكشف حجمها الحقيقي للعالم.
خلفية بناء سد بانقياو

تم بناء سد بانقياو في أوائل الخمسينيات من القرن العشرين، خلال فترة كان فيها الزعيم ماو تسي تونغ يدفع البلاد نحو التحديث السريع. كان الهدف من السد حماية منطقة خنان الزراعية من الفيضانات المتكررة لنهر روا، وتخزين المياه للري وتوليد الطاقة. بدأ البناء في عام 1952 واكتمل في عام 1953، بارتفاع يبلغ نحو 118 مترًا وقدرة تخزين تقارب 492 مليون متر مكعب من المياه. شارك في تصميمه مهندسون صينيون بمساعدة خبراء سوفييت، وكانت التقنية المستخدمة تُعتبر آنذاك متقدمة. ومع ذلك، فإن ضغوط الإنتاج السريع والاعتماد المفرط على مواد رديئة الجودة، أدت إلى بناء سد هش لا يتحمل الظروف القاسية.
العاصفة القاتلة

في أغسطس 1975، ضرب إعصار نينا (Typhoon Nina) مقاطعة خنان. كانت العاصفة عنيفة لدرجة غير مسبوقة، إذ هطلت كميات هائلة من الأمطار على مدى ثلاثة أيام متتالية. خلال 24 ساعة فقط، سقط ما يعادل 1,060 ملم من الأمطار، وهو ما يتجاوز المعدل السنوي في بعض المناطق. انهارت الاتصالات، وتعطلت خطوط الكهرباء، ولم تصل التحذيرات إلى القرى والسدود في الوقت المناسب. ومع ازدياد الضغط على بحيرة السد، بدأ المهندسون يشعرون بأن الخطر يقترب. في ليلة 7 أغسطس 1975، تجاوز منسوب المياه الحد الأقصى، وبدأت الفتحات المائية بالفشل. حاولت السلطات فتح بوابات الطوارئ لتصريف المياه، لكن الفتحات كانت مسدودة بالطين والأنقاض. الساعة الواحدة صباحًا من يوم 8 أغسطس، انهار سد بانقياو بشكل مفاجئ، مطلقًا ما يزيد عن 700 مليون متر مكعب من المياه بسرعة رهيبة.
انفجارسد بانقياو المائي والمأساة

عندما انهار السد، كانت النتيجة أشبه بانفجار نووي مائي. اندفعت المياه بسرعة تزيد عن 50 كيلومترًا في الساعة، مشكلة موجة بلغ ارتفاعها أكثر من 10 أمتار اجتاحت القرى المجاورة. غمرت المياه أكثر من 80 كيلومترًا من الأراضي في غضون دقائق. انهارت السدود الصغيرة القريبة مثل سد شيمانتان، ما ضاعف من حجم الكارثة. في بلدة داوجنغ وحدها، غُمرت أكثر من 90% من المنازل ودُفن الآلاف أحياء. لم يكن أمام السكان سوى اللجوء إلى الأسطح أو الأشجار، بينما كانت المياه تبتلع كل ما في طريقها. تشير التقارير إلى أن أكثر من 26,000 شخص لقوا حتفهم مباشرة بسبب الفيضانات، بينما مات حوالي 145,000 آخرين لاحقًا بسبب الجوع والأمراض والأوبئة التي انتشرت نتيجة انقطاع الإمدادات الغذائية والطبية.
العزلة والمجاعة بعد الكارثة
بعد الانهيار، تحولت المنطقة إلى بحر من الدمار. كانت الطرق والجسور مقطوعة بالكامل، مما جعل عمليات الإنقاذ شبه مستحيلة. ظلت آلاف القرى معزولة عن العالم الخارجي لأكثر من أسبوعين. خلال تلك الفترة، تفشت الأمراض نتيجة تلوث المياه وتحلل الجثث، وأصبحت المجاعة تهدد حياة الناجين. تشير التقارير الصينية اللاحقة إلى أن أكثر من 11 مليون شخص تأثروا مباشرة بالكارثة، وأن أكثر من 5.8 مليون منزل دُمرت أو تضررت بشدة. هذه الأرقام الضخمة توضح مدى الدمار الذي خلفه انهيار سد بانقياو، الذي أصبح يُعرف لاحقًا باسم “الكارثة المنسية”.
التعتيم الحكومي
في ظل النظام السياسي الصيني في تلك الفترة، لم يكن يُسمح بنشر أي أخبار تُظهر فشل الدولة أو الحزب الشيوعي. لذلك، تم التعتيم على الكارثة بالكامل. لم تُعلن الأرقام الحقيقية للضحايا، ولم يُسمح للصحافة المحلية أو الأجنبية بتغطية الأحداث. ظلت الكارثة سرًا لعدة عقود، حتى تسعينيات القرن الماضي، عندما بدأت بعض التقارير الداخلية تتسرب إلى الخارج. وفي عام 2005، أصدرت الحكومة الصينية تقريرًا جزئيًا اعترفت فيه بأن عدد القتلى تجاوز 170 ألف شخص، وهو رقم أكد أن انهيار سد بانقياو كان واحدًا من أسوأ الكوارث الهندسية في القرن العشرين.
اقرا ايضا إطلاق نار داخل مدرسة روبّ الابتدائية (Robb Elementary) ماذا حدث و ما هل التفاصيل
















