كان يوهانس كيبلر أحد أكثر علماء الفلك عبقرية وعزيمة في التاريخ، رجل وضعت أعماله الأساس لميكانيكا السماوات الحديثة. وُلِد في زمن مضطرب—عِلميًا وسياسيًا—وكانت حياته مليئة بالمآسي الشخصية، والصعوبات المهنية، والاكتشافات الثورية التي غيّرت إلى الأبد فهمنا للكون. قصته هي قصة مثابرة، فضول فكري، وإيمان راسخ بالتناغم الرياضي للكون.
غراتس و”السر الكوني”

بعد إتمام دراسته، شغل كيبلر منصبًا كمدرس للرياضيات في غراتس (في النمسا حاليًا) عام 1594. وهناك بدأ في تطوير أول عمل فلكي رئيسي له، “السر الكوني” (Mysterium Cosmographicum)، الذي نُشر عام 1596. في هذا الكتاب، اقترح كيبلر نموذجًا هندسيًا جريئًا للنظام الشمسي، مشيرًا إلى أن المسافات بين الكواكب يمكن تفسيرها من خلال تداخل الأشكال الخمسة الأفلاطونية (متعددات الوجوه المنتظمة) داخل بعضها البعض، حيث تمثل كل كرة مدار كوكب. رغم أن هذه الفكرة ثبت لاحقًا أنها خاطئة، إلا أنها أظهرت إيمان كيبلر العميق بكونٍ منظم رياضيًا—وهو موضوع سيستمر في ملاحقته طوال حياته.
لفت “السر الكوني” انتباه الفلكي الدنماركي العظيم تيخو براهي، الذي كان آنذاك أشهر فلكي رصدي في أوروبا. أدرك براهي، الذي أمضى عقودًا في تسجيل مواقع الكواكب بدقة غير مسبوقة، عبقرية كيبلر الرياضية ودعاه للانضمام إلى فريقه في براغ. كانت هذه الدعوة نقطة تحول في حياة كيبلر.
العمل مع تيخو براهي وقوانين الحركة الكوكبية

في عام 1600، سافر كيبلر إلى براغ ليعمل مساعدًا لتيخو. كانت علاقتهما متوترة—فقد كان تيخو يبخل ببياناته، خوفًا من أن يطغى كيبلر على إرثه، بينما كان كيبلر في أمس الحاجة إلى ملاحظات دقيقة لاختبار نظرياته. رغم هذه الخلافات، كان تعاونهما حاسمًا. وعندما توفي تيخو فجأة عام 1601، ورث كيبلر سجلاته الفلكية الواسعة، والتي شملت عقودًا من الملاحظات الدقيقة للكواكب.
باستخدام بيانات تيخو، شرع كيبلر في حل مشكلة مدار المريخ، الذي حيّر الفلكيين لفترة طويلة بسبب عدم انتظامه. بعد سنوات من الحسابات المضنية—المليئة بالأخطاء والتعديلات ولحظات الإحباط—توصل كيبلر إلى اكتشاف ثوري. أدرك أن الكواكب لا تتحرك في دوائر مثالية (كما كان يُعتقد منذ العصور القديمة)، بل تتبع مسارات إهليلجية مع وجود الشمس في إحدى البؤرتين. وأصبح هذا قانون كيبلر الأول للحركة الكوكبية.
أما قانونه الثاني، قانون المساحات المتساوية، فنص على أن الكوكب يمسح مساحات متساوية في أزمنة متساوية، مما يعني أنه يتحرك بسرعة أكبر عندما يكون أقرب إلى الشمس وأبطأ عندما يكون أبعد. نُشرت هذه النتائج في عمله عام 1609، “الفلك الجديد” (Astronomia Nova)، وهو تحفة علمية دمرت علم الكونيات الأرسطي والبطلمي القديم وأرسيت الأساس لنظرية نيوتن لاحقًا عن الجاذبية الكونية.
المعاناة الشخصية وجداول رودولفين

غالبًا ما طغت المآسي الشخصية على انتصارات كيبلر المهنية. فقد توفيت زوجته الأولى، باربرا مولر، وعدة من أطفالهم في سن صغيرة، مما تركَه في حالة حزن شديد. كما لاحقته الاضطهادات الدينية؛ فكلوثري يعيش في براغ الخاضعة للسيطرة الكاثوليكية، واجه ضغوطًا متزايدة للتحول. وعندما أُطيح بالإمبراطور رودولف الثاني (راعيه)، أصبح وضع كيبلر غير مستقر.
رغم هذه الصعوبات، واصل عمله. في عام 1619، نشر “تناغم العالم” (Harmonices Mundi)، حيث كشف عن قانونه الثالث للحركة الكوكبية، الذي ربط رياضياً بين الفترة المدارية للكوكب وبُعده عن الشمس. وقدّم هذا القانون دليلًا إضافيًا على التناغم الرياضي للكون، وهو مفهوم أثار اهتمام كيبلر طوال حياته.
ومن بين إسهاماته الأكثر ديمومة “جداول رودولفين” (1627)، وهو فهرس نجوم مبني على ملاحظات تيخو وقدم أكثر التوقعات الفلكية دقة في ذلك الوقت. كانت هذه الجداول لا تقدر بثمن في الملاحة وعلم الفلك وظلت مستخدمة لأكثر من قرن.
اقرا ايضا قصة القاتل دنيس نيلسن: أحد أخطر السفاحين في بريطانيا