رسالة أبي علي الحسن بن مسعود اليوسي الى السلطان مولاي إسماعيل العلوي “براءة اليوسي”.

Advertisements

أرسل الشيخ العالم أبي علي الحسن اليوسي رسالة للسلطان مولاي اسماعيل العلوي رسالة تحت عنوان “براءة اليوسي” ومضمون الرسالة هو:

الحمد لله ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين ،قطب المجد ومركزه ،ومجاز الفضل ومازره. وأساس الشرف الباذخ ومنبعه ، ومناط الفضل الشامخ ومجمعه ، السلطان الأعظم الأجل الأفخم ، مولانا اسماعيل بن مولانا الشريف ،لازالت اعلامه منصورة ،وايامه على العز واليمن مقصورة ، سلام على سيدنا ورحمة الله وبركاته . هذا ولا زائد عندنا سوى المحبة لسيدنا وغاية التعظيم والاجلال ، والدعاء لسيدنا بصالح الأحوال ، وذلك بعض ما أو جبته يده المنبسطة علينا بالبر والاحسان ، والتفضل والامتنان ، والتوقير والاحترام ، والانعام والاكرام ، مع ما له علينا وعلى غيرنا من الحقوق التي اوجبتها منزلته السلطانية . ومثابته العلوية الفاطمية. فكتبنا هذه البطاقة . وهي في الوقت منتهى الطاقة

براءة اليوسي

وكنا كثيرا مانرى من سيدناالتشوق “التشويف” إلى الموعظة والنصح والرغبة في استفتاح أبواب الربح والنجح ، فأردنا أن نرسل لسيدنا ما إن وفق للنهوض إليه ، رجونا له ربح الدنيا والآخرة ،والارتقاء إلى درجات الفاخرة ،ورجونا وإن لم نمكن أهلا لأن نعظ ، أن يكون سيدنا أهلا لأن يتعظ ، وأن يحتمي من جميع المذام ويتحفظ . فليعلم سيدنا أن الارض وما فيها ملك لله تعالى لاشريك له ، والناس عبيد لله سبحانه وإماء له ، وسيدنا واحد من العبيد ،وقد ملكه الله عبيده ابتلاء وامتحانا ، فإن قام عليهم بالعدل والرحمة والانصاف والاصلاح ، فهو خليفة الله في أرضه وظل الله على عبيده ، وله الدرجة العلية عند الله تعالى ، وإن قام عليهم بالجور والعنف والكبرياءوالطغيان والافساد ،فهو متجاسر على مولاه في مملكته ، ومتسلط ومتكبر في الارض بغير الحق . ومتعرض لعقوبة مولاه الشديدة وسخطه ، ولايخفى على سيدنا حال من تسلط على رعيته . يروم تملكهم بغير إذنه ، كي يفعل به يوم يتمكن منه .

Advertisements

ثم نقول : على السلطان حقوق كثيرة لاتفي بها هذه البطاقة، ولنقتصر منها على ثلاثة هي أمهاتها :الأول : جمع المال من حق وتفريقه في حق، الثاني : إقامة الجهاد لإعلاء كلمة الله ، وفي معناه تعمير الثغور بما يحتاج إليه من عدد وعدة ،الثالث : الانتصاف من الظالم للمظلوم ،وفي معناه كف يد عادية عليهم منهم ومن غيرهم ، وهذه الثلاثة كلها قد اختلت في دولة سيدنا ، فوجب علينا تنبيهه لئلا يعتذر بعدم الاطلاع أو الغفلة ، فإن تنبه وفعل فقد فاز . وفي ذلك صلاح الوقت وصلاح أهله وسبوغ النعمة وشمول الرحمة. وإلا فقد أدينا الذي علينا .

أما الامر الأول ،فليعلم سيدنا أن المال الذي يجبى من الرعية قدأعده الله للمصالح التي ينتظم بها الدين وتصلح الدنيا من اهل البيت والعلماء والقضاة والائمة والمجاهدين والاجناد والمساجد والقناطر وغير ذلك من المصالح ، ومثل هؤلاء كأيتام لهم ديون قد عجزوا عن قبضها إلا بوكيل ،ومثال الرعية مثال المديان ، والسلطان هو الوكيل ،فإن استوفى الوكيل الدين بلا زيادة ولا نقصان ،وأداه إلى اليتامى بحسب ما يجب لكل فقد برئ من اللوم ، ولم تبق عليه تباعة للمديان ولا لليتيم ،وحصل له أجران ، أجر القبض وأجر الدفع ، وإن هو زاد على الدين الواجب بغير رضى المديان فهو ظالم لليتيم ،وكذا إذا إستوفى الديون وامسكها ولم يدفعها لأربابها فهو ظالم، فلينظر سيدنا، فإن جباة مملكته قد جروا ذيول الظلم على الرعية، فأكلوا اللحم وشربوا الدم وامتشوا العظم وامتصوا المخ . ولم يتركوا للناس دينا ولا دنيا. اما الدنيا فقد أخدوها، أما الدين فقد فتنوهم عنه، وهذا شيء شهدناه لاشيء ظنناه .

كتب اليوسي

ثم إن ارباب الحقوق قد ضاعوا ولم تصل إليهم حقوقهم ، فعلى السلطان أن يتفقد الجباة ويكف ايديهم عن الظلم ولايغتر بكل ما يزين له الوقت ، فإن كثيرا من الدائرين به طلاب الدنيا ، لايتقون الله تعالى ولا يتحفظون من المداهنة والنفاق والكذب ، وفي افضل منهم قال جد أمير المؤمنين ، مولانا علي كرم الله وجهه : المغرور من غررتموه. وان يتفقد المصالح ويبسط يد الفضل على خواص الناس من اهل الفضل والدين والخير ليكتسب محبتهم وثناءهم ونصرهم

كما قيل :   أفاد تكم النعماء مني ثلاثة °°°°° يدي ولساني والضمير المحجباوقد جبلت النفوس على حب من أحسن اليها ولا يهملهم فيتمنوا غيره ويتطلبوا دولة أخرى

كما قيل :   إذا لم يكن للمرء في دولة امرىء°°°°° نصيب ولاحظ تمنى زوالها                                          

وما ذاك من بغض لها ،غير أنه °°°°° يريد سواها فهو يهوى زوالها

وليعلم سيدنا أن السلطان إذا أخذ اموال الرعية العامة ونشرها في الخاصة وسيد بها المصالح، فالعامة يدعنون ، وتطيب قلوبهم بما يرون من انفاق أموالهم في مصالحهم ، وإلا فالعكس ، وايضا فالسلطان متعرض للسهام الراشقة من دعوات المظلومين من الرعية. فإذا أحسن إلى الخاصة دعوا له بالخير والسلامة ،فيقابل دعء بدعاء والله الموفق .

وأما الامر الثاني ،فقد ضاع أيضا ، وذلك لم يتأت في الوقت إلا عمارة الثغور ، وسيدنا قد غفل عنها . فقد ضعفت اليوم غاية .وقد حضرت بتطوان ايام مولانا الرشيد رحمه الله تعالى. إذا سمعوا الصريخ تهتز الأرض خيلا ورماة . وقد بلغني اليوم أنهم سمعوا صريخا من جانب البحر ذات يوم فخرجوا يسعون على ارجلهم. بأيديهم العصي والمقاليع ، وهذا وهن في الدين وغرر على المسلمين. وإنما جاءهم الضعف من المغارم الثقيلة ،وتكليفهم الحركات ،واعطاء العدة كسائر الناس ، فعلى سيدنا ان يتفقد السواحل كلها من القليعة إلى ماسة، ويحرضهم على الجهاد والحراسة بعد ان يحسن إليهم ، ويعفيهم مما يكلف به غيرهم ، ويترك لهم خيلهم وعدتهم، ويزيدهم ما يحتاجون إليه، فهم حماة بيضة الاسلام . ونجدة في المضايق وغيرة على الاسلام وأهله، ولا يولي فيها من همته ملء بطنه والاتكاء على اريكته ، والله الموفق .

وأما الامر الثالث فقد اختل أيضا لأن المنتصبين للإنتصاف بين الناس وهم العمال في البلدان وخدامهم المشتغلون بظلم الناس ، فكيف يزيل الظلم من يفعله ، ومن ذهب يشتكي سبقوه إلى الباب ، فزادوا عليه ، فلا يقدر احد ان يشتكي ،فليتق الله سيدنا ، وليتق دعوة المظلوم ، فليس بينها وبين الله حجاب ،وليجهد في العدل ،فإنه قوام الملك ، وصلاح الدين والدنيا قال تبارك وتعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ} {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}. ثم ذكر تعالى المنصورين وشروط النصر ،فقال : { الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ} فضمن تعالى للملوك النصر ، وشرط عليهم هذه الامور الاربعة ، فمتى اختل عليهم امر الرعية او تسلط عليهم الرجوع الى الله تعالى وتفقد ما امرهم به ورعاية ما استرعاهم .

وقد اتفقت حكماء العرب والعجم على ان الجور لايثبت معه الملك ولا يستقيم . وان العدل يستقيم معه الملك ولو مع الكفر . وقد عاش الملوك من الكفرة المئين من السنين في الملك المنتظم والكلمة المسموعة، والراحة من كل منغص، لما كانوا عليه من العدل في الرعية استصلاحا لدنياهم، فكيف بمن يرجو صلاح الدنيا والدين ؟ قال بعض الحكماء : الملك بناء والجند اساسه. واذا ضعف الاساس سقط البناء فلا سلطان إلا بجند ، ولاجند إلا بمال ، ولامال إلا بجباية ، ولاجباية إلا بعمارة، ولاعمارة إلا بعدل، فالعدل اساس الجميع

رسائل اليوسي

وقال صلى الله عليه وسلم : {كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته}. وقال صلى الله عليه وسلم : {إن رجالا يخوضون في مال الله بغير حق ، لهم النار يوم القيامة}. او كما وقال صلى الله عليه وسلم {ما من وال يلي ولاية إلا جاء يوم القيامة ويداه مغلولتان. فإما عدل يفكه وإما جور يوثقه} . وعن مولانا علي بن ابي طالب رضي الله عنه قال : {رأيت عمر على قتب بعير يعدو به بعيره بالابطح ،فقلت: ياأمير المؤمنين ،أين تسير ؟ فقال : بعير من إبل الصدقة شرد أطلبه ، فقلت : ادللت الخلفاءمن بعدك ؟ فقال : لاتلمني ، فو الذي بعث محمدا صلى عليه وسلم بالحق ، لو ان عناقا ضلت بشاطئ الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة} . لأنه لاحرمة لوال ضيع المسلمين ، ولا لفاسق روع المؤمنين .

وقد رأى رضي الله عنه شيخا يهوديا يسأل على الابواب. فقال : {ما أنصفناك ، أخذنا منك الجزية مادمت شابا ثم ضيعناك اليوم ، فأمر أن يجرى عليه قوته من بيت المال} . وليعلم سيدنا أن اول العدل أن يعدل في نفسه. فلا يأخذ لنفسه من المال إلا بحق ، ويسأل العلماء عما يأخذ وما يعطي وما يأتي وما يذر. وقد كان في بني إسرائيل يكون الأمير على يد نبئ ، فالنبي يامر والامير ينفذ لاغير . ولما كانت هذه الامة المرحومة انقطعت النبوة بنبيها خاتم النبيئين صلى الله عليه وسلم . فلم يبق إلا العلماء يقتدى بهم .

قال صلى الله عليه وسلم : { علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل فكان حقا على خلفاء هذه الأمة أن يتبعوا العلماء. ويتصرفوا على ايديهم أخذا وإعطاء}. وقد توفي صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر رضي الله عنه . وكان قبل ذلك يبيع ويشتري في السوق لعياله، فلما بويع أخذ ماله الذي للتجارة وذهب إلى السوق على عادته. حتى رده علماء الصحابة وقالوا : إنك في شغل بأمر الخلافة عن السوق، وفرضوا له ما يكفيه مع عياله. وجعلوا المال على يد أمين ، فكان وغيره فيه سواء . يأخذ منه بما اقتضته الشريعة لنفسه ولغيره .

وهكذا سيرة الخلفاء الراشدين من بعده . فعلى سيدنا أن يقتدي بهؤلاء الفضلاء ولا يقتدي بأهل الأهواء. ويسأل من معه من الفقهاء الثقات كسيدي محمد بن الحسن وسيدي احمد بن سعيد وغيرهما من العلماء العاملين. الذين يتقون الله ولا يخافون في الله لومة لائم، فما أمروه به مما ذكره فعله وما نهوه عنه انتهى .هذه طرق النجاة إن شاء الله تعالى . نسأل الله تعالى أن يرزق لسيدنا توفيقا وتسديدا، وإرشادا وتأييدا ، وأن يصلح بوجوده البلاد والعباد. وان يحسم بسيفه أهل الزيغ والعناد ،آمين والحمد لله رب العالمين .

من كتاب: {النوازل الصغرى المسماة المنح السامية في النوازل الفقهية للففقيه العلامة المحقق الفهامة}. لصاحبه أبي عبد الله سيدي محمد المهدي ابن محمد بن محمد بن الخضر الوازاني الشريف العمراني الحسيني. ج: الأول. الصفحة: 406.

اقرأ أيضا : كتاب فاتتني الصلاة الذي سيغير حياتك للافضل

50% LikesVS
50% Dislikes

Advertisements
السابق
بلاك بيري , قصة السقوط المأساوي لإمبراطورية الهواتف التي حكمت العالم لسنين طويلة
التالي
رمضان في القرن الواحد والعشرين