مقدمة

“ذا سابستنس” (The Substance) هو فيلم مثير للجدل يأخذنا في رحلة عبر الزمان والمكان لاستكشاف آثار مادة ثورية غامضة غيّرت مجرى التاريخ الحديث. يجمع الفيلم بين أسلوب السرد الوثائقي والتحليل العلمي، مما يجعله عملاً متكاملاً يستعرض التأثيرات العلمية، الاجتماعية، والثقافية لمادة معينة، غالبًا ما تُشير إليها الأبحاث باسم “LSD”، أو حمض الليسرجيك ثنائي إيثيل أميد. يقدم العمل معالجة متعمقة لمسألة استكشاف حدود الوعي البشري، ويعكس التأثيرات الإيجابية والسلبية لمثل هذه الاكتشافات على المجتمع.
في السطور التالية، سنغوص في تفاصيل الفيلم، بداية من نشأته، ومخرجه، وأهم موضوعاته، وصولاً إلى تحليله من منظور سينمائي واجتماعي. سنركز على الجوانب التي تجعل الفيلم استثنائيًا ومؤثرًا في المشاهدين، مع محاولة لفهم الرسائل التي حاول إيصالها.
النشأة والسياق التاريخي للفيلم

تم إصدار فيلم The Substance في عام 2011، وهو من إخراج مارتن ف. وايز، الذي اشتهر بتقديم أعمال تفتح المجال للنقاش حول قضايا حساسة ومثيرة للجدل. يتناول الفيلم قصة ظهور LSD، الذي تم اكتشافه لأول مرة عام 1938 على يد العالم السويسري ألبرت هوفمان أثناء عمله في شركة “ساندوز” الكيميائية. لكن المفارقة تكمن في أن تأثير المادة لم يُكتشف إلا بعد خمس سنوات، عندما جرب هوفمان الجرعة بنفسه بشكل غير مقصود.
الفيلم يبدأ بإعادة بناء القصة المثيرة لأول تجربة لـLSD، حيث يصف هوفمان مشاعره وأفكاره أثناء “رحلته” الأولى على الدراجة الهوائية. هذه اللحظة الأسطورية التي تم تصويرها بشكل سينمائي مذهل في الفيلم أصبحت رمزًا لولادة مرحلة جديدة في مجال العلم والوعي البشري.
حبكة الفيلم والرسائل الرئيسية
يعتمد الفيلم في سرده على عرض زمني متسلسل للأحداث التي شهدها القرن العشرين فيما يتعلق باستخدام LSD. يُظهر الفيلم كيف انتقلت المادة من كونها أداة علمية تُستخدم في الأبحاث النفسية إلى ظاهرة ثقافية أثرت على حركات الشباب في الستينيات، ثم أصبحت لاحقًا هدفًا للرقابة الحكومية بسبب المخاوف من تأثيرها على الاستقرار الاجتماعي.
- الاستخدام العلمي والطبي: يخصص الفيلم جزءًا كبيرًا لاستعراض الأبحاث العلمية التي أجريت على LSD في الخمسينيات والستينيات. استخدم الأطباء المادة في علاج الاكتئاب، الإدمان، واضطرابات ما بعد الصدمة. يعرض الفيلم مقابلات مع علماء وأطباء شاركوا في هذه الدراسات، مع التركيز على النتائج الإيجابية التي تحققت قبل أن يتم حظر المادة.
- الثورة الثقافية: يبرز الفيلم التحول الكبير في مكانة LSD عندما تبنته حركات الثقافة المضادة في الستينيات. كانت المادة وسيلة لاستكشاف الذات، وتحفيز الإبداع، والتعبير عن التمرد ضد النظام القائم. يقدم الفيلم لقطات أرشيفية مذهلة لحفلات ومظاهرات حيث كان LSD جزءًا أساسيًا من التجربة.
- الرقابة والملاحقة القانونية: يناقش الفيلم قرارات الحكومات حول العالم لتجريم المادة. يُظهر كيف تم تشويه سمعة LSD بسبب ارتباطه بالجرائم، والإدمان، والسلوكيات الخطيرة. في هذا الجزء، يقدم الفيلم نقدًا عميقًا للسياسات الحكومية، مع التركيز على فقدان البشرية فرصة لفهم مادة قد تحمل إمكانيات هائلة.
الجوانب السينمائية والإبداعية

تميز The Substance بأسلوبه الفريد الذي يمزج بين الوثائقية والتجريبية. استخدم المخرج مارتن وايز مزيجًا من المقابلات الشخصية، واللقطات الأرشيفية، والمؤثرات البصرية لإيصال تجربة LSD إلى المشاهدين. من بين أبرز التقنيات المستخدمة:
- المؤثرات البصرية: لجعل المشاهد يعيش تأثير LSD، اعتمد الفيلم على تصوير تغيرات الألوان، وتشكيلات الأنماط، والتلاعب بالإضاءة. كل هذا يُضفي طابعًا غريبًا ومثيرًا يشبه التجربة الحقيقية التي وصفها المستخدمون.
- الموسيقى التصويرية: الموسيقى في الفيلم هي عنصر محوري. تأخذنا الألحان التصويرية في رحلة عاطفية تتناغم مع الحالة المزاجية لكل فصل من القصة.
- السرد المتوازن: رغم أن الموضوع مثير للجدل، إلا أن الفيلم يحافظ على توازنه من خلال تقديم وجهات نظر مختلفة. يظهر المدافعون عن LSD جنبًا إلى جنب مع المنتقدين، مما يعطي العمل مصداقية وقيمة أكاديمية.
الانعكاسات الاجتماعية والثقافية
من خلال تحليل تأثير LSD، يُبرز الفيلم كيف يمكن لمادة واحدة أن تؤثر على مجالات متعددة، بما في ذلك العلم، والفن، والسياسة. يقدم الفيلم مقارنة بين النظرة العلمية التي ترى LSD كوسيلة لفهم أعمق للوعي البشري، والنظرة السياسية التي ترى فيها تهديدًا للنظام.
الخاتمة
The Substance ليس مجرد فيلم وثائقي عن مادة كيميائية؛ إنه استكشاف للتفاعل البشري مع الاكتشافات العلمية وتأثيرها على المجتمع. يقدم العمل دعوة للتفكير في مدى استعدادنا لقبول المجهول وتجاوز المخاوف لاحتضان الابتكار. من خلال أسلوبه المثير والمعلومات الغنية التي يقدمها، يُعتبر الفيلم شهادة على قدرة السينما على مناقشة أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا بطريقة تجمع بين الفن والعلم.
اقرا ايضا القصة الحقيقية لحياة ليوناردو دا فنشي