يُعتبر لينوس كارل بولينج أحد أكثر العلماء عبقرية وإثارة للجدل في القرن العشرين. كان رجلاً يتمتع بذكاء خارق، حيث قدم مساهمات رائدة في الكيمياء وعلم الأحياء الجزيئي والفيزياء الكمومية، بينما تحول أيضًا إلى مدافع صريح عن السلام خلال الحرب الباردة. كانت حياته نسيجًا من الانتصارات العلمية والجدل السياسي والفضول الذي لا يعرف الكلل. لفهم بولينج، يجب الغوص في عقل عبقري أعاد تشكيل العديد من التخصصات العلمية بينما броىء التحدي للمؤسسة السياسية بلا خوف.
الحلزون ألفا ومولد علم الأحياء الجزيئي

على الرغم من أن عمله على الروابط الكيميائية كان كافيًا لضمان مكانته في التاريخ، إلا أن فضول بولينج قاده إلى علم الأحياء. في أواخر الأربعينيات، وجه انتباهه إلى هياكل البروتينات، وخاصة شكل سلاسل الأحماض الأمينية. باستخدام علم البلورات بالأشعة السينية وتقنيات بناء النماذج، اقترح الحلزون ألفا—وهو نمط هيكلي أساسي في البروتينات.
كان هذا الاكتشاف محوريًا في تأسيس علم الأحياء الجزيئي. كما مهد الطريق لواحدة من أشهر حالات الاقتراب من الاكتشاف في التاريخ العلمي: السباق لفك تركيب الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين (DNA). اقترب بولينج كثيرًا من حل لغز الحلزون المزدوج للحمض النووي، لكنه هُزم في النهاية من قبل جيمس واتسون وفرانسيس كريك في عام 1953. كان نموذجه الخاطئ للحلزون الثلاثي، الذي نُشر قبل اكتشاف واتسون وكريك بفترة قصيرة، نتيجة اعتماده على بيانات غير كاملة بالأشعة السينية. يرى بعض المؤرخين أنه لو حصل بولينج على بيانات أفضل (أو لو لم يكن منشغلًا بالنشاط السياسي)، لربما سبقهما إلى جائزة نوبل.
النشاط السياسي والحملة المناهضة للأسلحة النووية

بحلول الخمسينيات، تحول تركيز بولينج بشكل كبير من العلم المحض إلى النشاط السياسي. أزعجته بشدة التفجيرات الذرية لهيروشيما وناغازاكي، وأصبح ناقدًا صريحًا للأسلحة النووية. في عام 1955، انضم إلى ألبرت أينشتاين وبرتراند راسل وغيرهما من المثقفين في التوقيع على بيان راسل-أينشتاين، الذي حذر من التهديد الوجودي الذي تشكله الحرب النووية.
تصاعد نشاطه خلال حقبة مكارثي، وهي الفترة التي كان يُنظر فيها إلى المعارضة على أنها خيانة. أثارت معارضة بولينج للتجارب النووية ودعواته لنزع السلاح شكوك الحكومة الأمريكية. في عام 1952، سحبت وزارة الخارجية جواز سفره، ووصفته بأنه خطر على الأمن. لكنه لم يتراجع، واستمر في حملاته، وجمع التماسات وقعها آلاف العلماء يطالبون بوقف التجارب النووية في الغلاف الجوي.
توجت جهوده بـمعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية عام 1963، التي حظرت إجراء تجارب نووية فوق الأرض. في نفس العام، حصل على جائزة نوبل للسلام، مما جعله الشخص الوحيد في التاريخ الذي يفوز بجائزتي نوبل منفردتين (الكيمياء عام 1954 والسلام عام 1962). إلا أن هذا التكريم جاء مع ردود فعل عنيفة. فقد وصفه العديد من المحافظين الأمريكيين بأنه متعاطف مع الشيوعية، بل إن بعض العلماء رفضوا نشاطه باعتباره غير علمي.
جدل فيتامين سي: هل أصبح منبوذًا علميًا؟

في سنواته الأخيرة، تعرضت سمعة بولينج للاهتزاز بسبب دعوته المثيرة للجدل لـجرعات عالية من فيتامين سي كعلاج لنزلات البرد وحتى السرطان. بالتعاون مع الطبيب إيوان كاميرون، نشر دراسات تشير إلى أن الجرعات العالية من فيتامين سي يمكن أن تطيل حياة مرضى السرطان.
رفضت المؤسسة الطبية هذه الادعاءات إلى حد كبير، مستشهدة بعدم وجود أدلة سريرية دقيقة. أجرت عيادة مايو تجارب مضبوطة فشلت في تكرار نتائج بولينج، مما أدى إلى انتشار الشكوك حولها. واتهمه النقاد بالابتعاد عن الصرامة العلمية، مما ألحق الضرر بإرثه. ومع ذلك، بقي بولينج عنيدًا، مصرًا على أن الأرثوذكسية غالبًا ما تقاوم الأفكار الراديكالية.