Paths of Glory هو فيلم درامي حربي صدر عام 1957، أخرجه وأنتجه ستانلي كوبريك، مستندًا إلى رواية تحمل نفس الاسم للكاتب همفري كوب. يعتبر الفيلم من أهم الأعمال المناهضة للحرب في تاريخ السينما، حيث يُبرز التناقضات البشرية والوحشية التي تنبع من الصراعات العسكرية. الفيلم يقدم رؤية قاتمة للحرب، لا كأرضٍ للبطولات، بل كمنصة للقسوة، الظلم، والانتهازية.
القصة والحبكة

تدور أحداث الفيلم Paths of Glory خلال الحرب العالمية الأولى على الجبهة الغربية، حيث تواجه فرنسا تحديًا كبيرًا في صد هجمات القوات الألمانية. تبدأ القصة عندما يأمر الجنرال جورج بروسارد (أدي أدامز) والجنرال بول ميرو (جورج ماكريدي) الجنود الفرنسيين بشن هجوم على موقع ألماني محصن يُعرف باسم “تل النمل” (Anthill). ورغم إدراك ميرو استحالة تحقيق هذا الهدف بسبب قوة الدفاعات الألمانية والتضاريس الصعبة، إلا أنه يوافق على الأمر بدافع الطموح الشخصي.
يقود الكولونيل داكس (كيرك دوغلاس)، وهو الشخصية المركزية في الفيلم، فوجًا من الجنود المكلفين بتنفيذ الهجوم. داكس، الذي كان محاميًا سابقًا قبل الحرب، يتمتع بروح إنسانية ويدرك مدى خطورة المهمة. كما يتعاطف مع معاناة جنوده. ورغم اعتراضه على القرار، يلتزم بأوامر قيادته.
مع بدء الهجوم، يتعرض الجنود لمجزرة مروعة نتيجة القصف المدفعي والنيران الألمانية الكثيفة. يفشل الهجوم، ويُجبر الناجون على التراجع. في أعقاب الفشل، يسعى الجنرال ميرو إلى تحميل الجنود مسؤولية الهزيمة، ويأمر بمحاكمة ثلاثة جنود عشوائيين بتهمة الجبن والهروب من المعركة.
تنتقل الحبكة إلى محاكمة الجنود الثلاثة: كوربوريال فيريول (تيموثي كاري)، جندي بسيط؛ الجندي أرنو (جو توركيل)، مزارع سابق؛ والجندي باريس (رالف ميكر)، الذي يتمتع بمكانة متواضعة. يمثلهم الكولونيل داكس كمحامي دفاع، لكنه يواجه محكمة عسكرية مُتحيزة تخدم فقط مصالح القيادات العليا. ورغم دفاعه القوي، يُدان الجنود ويحكم عليهم بالإعدام رميًا بالرصاص.
تنتهي القصة بمشهد مأساوي يتمثل في إعدام الجنود، حيث تُظهر اللقطة الأخيرة صمتهم المهيب واستسلامهم لمصيرهم. الفيلم يختتم بمشهد مؤثر لجنود آخرين يغنون بحزن، مما يعكس هشاشة الإنسانية في وجه قسوة الحرب.
الشخصيات وأداؤها

1. الكولونيل داكس (كيرك دوغلاس):
يقود كيرك دوغلاس الفيلم Paths of Gloryبشخصيته القوية والمبدئية. داكس يمثل الضمير الإنساني وسط الفوضى. أداؤه مليء بالعاطفة والإقناع، خصوصًا أثناء المحاكمة حيث يظهر تعاطفه العميق مع الجنود ومعارضته للظلم.
2. الجنرال ميرو (جورج ماكريدي):
جسد ماكريدي شخصية ميرو ببرود وسلطة مطلقة، مما يجعله رمزًا للطموح العسكري المفرط. ميرو يفتقر إلى الإنسانية ويتخذ قرارات قاسية تعكس استعداده للتضحية بالجنود من أجل مكاسب شخصية.
3. الجنود الثلاثة (تيموثي كاري، جو توركيل، رالف ميكر):
تُظهر الشخصيات الثلاثة تنوعًا في خلفيات الجنود ومعاناتهم. أدوارهم تُبرز المأساة الفردية التي تمثل مصير الجنود العاديين في الحروب.
4. الجنرال بروسارد (أدي أدامز):
بروسارد شخصية تجسد الانفصال عن الواقع. يمثل القادة الذين ينظرون إلى الحرب كفرصة لتعزيز مكانتهم على حساب حياة الآخرين.
الجوانب الفنية والإخراجية

1. إخراج ستانلي كوبريك:
يمثل الفيلم أحد أعمال كوبريك المبكرة، لكنه يعكس بوضوح بصمته الفريدة. ركز كوبريك على تصوير الحرب ليس من زاوية الأكشن أو البطولات، بل من منظور إنساني قاتم. استخدامه للكاميرا كان مبتكرًا، حيث اعتمد على زوايا تصوير تعكس قسوة المعارك والبيئة المحيطة.
2. التصوير السينمائي:
تميز الفيلم باستخدام التصوير بالأبيض والأسود، مما أضاف أجواء واقعية ومظلمة تناسب موضوع الحرب. مشاهد الخنادق والمعارك أُبرزت بتفاصيل دقيقة تظهر فوضى الحرب وجحيمها.
3. الموسيقى التصويرية:
كانت الموسيقى محدودة لكنها فعالة. اختار كوبريك عدم المبالغة في استخدام الموسيقى، مما زاد من واقعية الفيلم. المشاهد الأخيرة التي تضمنت أغنية حزينة لجنود الأسرى تُركت عالقة في أذهان المشاهدين.
الرمزية والمعاني العميقة

1. نقد الحرب:
الفيلم يوجه انتقادًا لاذعًا للحرب والمؤسسة العسكرية. يعكس كيف يمكن أن يتحول الجنود إلى أدوات لتحقيق طموحات القادة، دون اعتبار لحياتهم أو إنسانيتهم.
2. العدالة والفساد:
من خلال مشهد المحاكمة، يُظهر الفيلم كيف يمكن للعدالة أن تصبح أداة بيد القادة الأقوياء. المحكمة العسكرية كانت صورية، مما يعكس فساد النظام العسكري.
3. الإنسانية في وجه القسوة:
رغم الظلم والقسوة، تبرز في الفيلم لحظات إنسانية مؤثرة، مثل دفاع داكس المستميت عن الجنود الثلاثة وتعاطف الجنود مع بعضهم في مشاهدهم الأخيرة.
الخاتمة
Paths of Glory ليس مجرد فيلم حربي عادي؛ بل هو عمل فني يحمل رسالة إنسانية عميقة. من خلال شخصياته المؤثرة، قصته المأساوية، وإخراجه المتقن، يظل الفيلم أحد أعظم الأعمال السينمائية التي تناولت قسوة الحرب وعبثيتها. إنه تذكير قوي بأن الإنسانية غالبًا ما تضيع في أتون الصراعات، لكن يبقى الأمل متمثلًا في أشخاص مثل الكولونيل داكس، الذين يرفضون الاستسلام للظلم.